الصرف في الذمة [1]،[2]
 
من شروط عقد الصرف التقابض في المجلس قبل الافتراق، إلا أنه قد يقع الصرف على ما في ذمة العاقدين أو أحدهما، وهذا ما يعرف عند العلماء بالصرف في الذمة، وله صور[3] وهي:
الصورة الأولى: اقتضاء أحد النقدين من الآخر[4]:
فالاقتضاء في اللغة هو: الأخذ، يقال: اقتضيت ما لي عليه أي قبضته وأخذته[5].

وهو في الاصطلاح:"قبض ما في ذمة غير القابض"[6]

وتتمثل هذه الصورة في:أن يكون لك على آخر دراهم فتأخذ منه دنانير، أو كانت عليه دنانير فتأخذ منه دراهم بسعر يومها[7].

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما:
1- إنه يجوز اقتضاء أحد النقدين بشرط قبض البدل في المجلس، وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة[8].

وقد استدلوا: بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة رضي الله عنها، فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شيء"[9].

وجه الدلالة من الحديث: أنه يدلعلى جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمة"[10]، وأن ما في الذمة كالحاضر.

2- إنه لا يجوز، وذهب إليه بعض العلماء منهم ابن عباس، وعللوا ذلك: أن شرط القبض في الصرف لم يتحقق بما في الذمة[11].

والذي يراه الباحث راجحاً:
هو قول جمهور العلماء، وذلك؛ لأن ما في الذمة كالحاضر إن قبض البدل في المجلس، وبه يتحقق شرط الصرف.

الصورة الثانية: تطارح الدينين صرفا[12]:
وتتمثل هذه الصورة في: أن يكون لرجل في ذمة رجل ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا بما في ذمتهما[13]".

فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما:
1- ذهب الشافعية والحنابلة: إلى عدم جواز الصرف في هذه الحالة[14].

واستدلوا على ذلك: بأنه بيع دين بدين والإجماع قائم على حرمة بيع الدين بالدين، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ"[15].

وفي هذا يقول الشافعي رحمه الله: "من كانت عليه دراهم لرجل وللرجل عليه دنانير فحلت أو لم تحل فتطارحاها صرفاً، فلا يجوز; لأن ذلك دين بدين"[16].

2- وذهب الحنفية والمالكية: إلى جواز هذا النوع من الصرف[17].

واستدلوا على ذلك: بأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة وأن الثابت في الذمة مقبوض حكماً، وهذا مأخوذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم السابق، " لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شيء"[18]
 
والذي يراه الباحث راجحاً: هو قول الشافعية والحنابلة القائل بعدم جواز تطارح الدينين صرفاً؛ وذلك لأنه لم يتحقق شرط التقابض في مجلس العقد.



[1] الذمة في اللغة: العهد والكفالة وجمعها ذِمامٌ، وفلان له ذِمَّة أَي حق، ومن ذلك يسمى أهل العهد أهل الذمة وهم الذين يؤدون الجزية من المشركين كلهم، ابن منظور: لسان العرب (3/ 1517)، المناوي: التعاريف (1/ 350).


[2] يفرق المالكية بين الصرف في الذمة، والصرف على الذمة، فيقولون: إن الصرف على الذمة لم تكن الذمة مشغولة بشيء قبل الصرف والصرف هو الذي أحدث شغلها بخلاف صرف ما في الذمة فإن الذمة مشغولة فيه قبل الصرف، الدسوقي: حاشية الدسوقي (3/ 30).


[3] الصاوي: بلغة السالك (3/ 27)، ابن قدامه: المغني (4/ 186)، وزارة الأوقاف الكويتية: الموسوعة الفقهية (26/ 364).


[4] ابن قدامه: المغني (4/ 178).


[5] ابن منظور: لسان العرب (5/ 3666).


[6] العبدري: التاج والإكليل (4/ 336).


[7] صوص: القبض وأثره (ص 73).


[8] الشافعي: الأم (4/ 60)، التسولي: البهجة في شرح التحفة (2/ 93)، ابن قدامه: المغني (4/ 178).


[9] أخرجه أبو داود في سننه (كتاب: البيوع، باب: اقتضاء الذهب من الورق3/ 255 ح 3356)، وأخرجه النسائي في سننه (كتاب: البيوع، باب: اخذ الذهب من الورق7/ 324 ح 4506)، وضعفه الإمام الألباني في إرواء الغليل(5/ 173).


[10] الشربيني: مغني المحتاج (2/ 70).


[11] ابن قدامة: المغني (4/ 186).


[12] صوص: القبض وأثره (ص 75).


[13] ابن قدامة: المغني (4/ 186).


[14] النووي: المجموع (3/ 30)، ابن قدامة: المغني (4/ 186).


[15] أخرجه الدارقطني في سننه (كتاب: البيوع، باب: الجعالة 4/ 40255 ح 3061)، وضعفه الإمام الألباني في إرواء الغليل (5/ 220).


[16] الشافعي: الأم (4/ 60)، ابن قدامه: المغني (4/ 188).


[17] العبدري: التاج والإكليل (4/ 310)، الدسوقي: حاشية الدسوقي (3/ 31).


[18] سبق تخريجه (ص 32).