صور وأحكام العقد المطبوع مسبقاً (1)
عقود تقوم على المناقشة والمساومة
يوجد للعقد المطبوع مسبقًا صورتان هما:
الصورة الأولى: عقود تقوم على المناقَشة والمساوَمة، وفيها مجالٌ للتعديل والتغيير قبل التَّوقيع؛ لأن القوة التفاوضيَّة بين طرَفي هذه العقود، والطريقة التي تَنعقد بها من حيثُ النمطيَّةُ والمجاذبةُ بين المتعاقدين على شروط العقد - جعَلَها مظِنَّة التساوي أو مقاربةِ التساوي بين رضا المتعاقدين؛ إذ مِن المعتاد أن تسبق انعقاد العقد مفاوضاتٌ بين أطراف التعاقد، يتناقش فيها الطرفان في شروط العقد وأحكامه[1].
حكم هذه العقود:
هذه العقود لا خلافَ في شرعيَّتها؛ لأن الأصل في العقود رِضا المتعاقدين، وموجِبُها هو ما أوجَباه على أنفسهما بالتعاقد[2].
وأدلَّة ذلك كثيرة، منها:
1- قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].
وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
الآية الكريمة لم تَشترط في التِّجارة إلا التراضي؛ وذلك يَقتضي أن التَّراضيَ هو المُبيح للتجارة، وكذلك موافقة الشرع بأن لا يتضمَّن العقد ما حرَّمه الله ورسوله؛ كالتجارة في الخمر ونحوِ ذلك[3].
قال القرطبي: "كلُّ مُعاوَضة تجارةٍ على أيِّ وجهٍ كان العوض، إلاَّ أن قوله: ﴿ بِالْبَاطِلِ ﴾ أخرج منها كلَّ عوضٍ لا يجوز شرعًا؛ مِن ربًا، أو جهالة، أو تقديرِ عِوضٍ فاسد؛ كالخمر، والخنزير، وغير ذلك"[4].
2- قال تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء: 4].
وجه الاستدلال بالآية الكريمة:
الآية الكريمة علَّقَت جوازَ الأكل بطيب النَّفس تعليقَ الجزاء بشَرطِه، فدلَّ على أنه سببٌ له، وهو حكمٌ معلَّق على وصف مشتقٍّ مناسب، فدلَّ على أن ذلك الوصفَ - وهو الطِّيب - علةُ الحكم بالصحَّة والجواز[5].
قال القرطبي: "الهنيء: الطيب المُساغ الذي لا ينغِّصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التامُّ الهضم، الذي لا يضرُّ ولا يؤذي، فلا تخافون في الدنيا به مُطالَبة، ولا في الآخرة"[6].
(يتبع)
[1] الوسيط، ج 1، ص 229، ومصادر الحق في الفقه الإسلامي، ج 2، ص 7.
[2] القواعد النورانية، ص 288.
[3] الفتاوى، ج 3، ص 485، والقواعد النورانية، ص 288.
[4] أحكام القرآن، ج 5، ص 152.
[5] القواعد النورانية، ص 288.
[6] أحكام القرآن، ج 5، ص 27.
العقود التي تقوم على المناقشة والمساومة
جاري تجهيز الصوت…
صور وأحكام العقد المطبوع مسبقاً (1)عقود تقوم على المناقشة والمساومة يوجد للعقد المطبوع مسبقًا صورتان هما: الصورة الأولى: عقود تقوم على المناقَشة والمساوَمة، وفيها مجالٌ للتعديل والتغيير قبل التَّوقيع؛ لأن القوة التفاوضيَّة بين طرَفي هذه العقود، والطريقة التي تَنعقد بها من حيثُ النمطيَّةُ والمجاذبةُ بين المتعاقدين على شروط العقد - جعَلَها مظِنَّة التساوي أو مقاربةِ التساوي بين رضا المتعاقدين؛ إذ مِن المعتاد أن تسبق انعقاد العقد مفاوضاتٌ بين أطراف التعاقد، يتناقش فيها الطرفان في شروط العقد وأحكامه[1]. حكم هذه العقود: هذه العقود لا خلافَ في شرعيَّتها؛ لأن الأصل في العقود رِضا المتعاقدين، وموجِبُها هو ما أوجَباه على أنفسهما بالتعاقد[2].وأدلَّة ذلك كثيرة، منها: 1- قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].وجه الاستدلال بالآية الكريمة: الآية الكريمة لم تَشترط في التِّجارة إلا التراضي؛ وذلك يَقتضي أن التَّراضيَ هو المُبيح للتجارة، وكذلك موافقة الشرع بأن لا يتضمَّن العقد ما حرَّمه الله ورسوله؛ كالتجارة في الخمر ونحوِ ذلك[3]. قال القرطبي: "كلُّ مُعاوَضة تجارةٍ على أيِّ وجهٍ كان العوض، إلاَّ أن قوله: ﴿ بِالْبَاطِلِ ﴾ أخرج منها كلَّ عوضٍ لا يجوز شرعًا؛ مِن ربًا، أو جهالة، أو تقديرِ عِوضٍ فاسد؛ كالخمر، والخنزير، وغير ذلك"[4].2- قال تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء: 4].وجه الاستدلال بالآية الكريمة: الآية الكريمة علَّقَت جوازَ الأكل بطيب النَّفس تعليقَ الجزاء بشَرطِه، فدلَّ على أنه سببٌ له، وهو حكمٌ معلَّق على وصف مشتقٍّ مناسب، فدلَّ على أن ذلك الوصفَ - وهو الطِّيب - علةُ الحكم بالصحَّة والجواز[5]. قال القرطبي: "الهنيء: الطيب المُساغ الذي لا ينغِّصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التامُّ الهضم، الذي لا يضرُّ ولا يؤذي، فلا تخافون في الدنيا به مُطالَبة، ولا في الآخرة"[6]. (يتبع) [1] الوسيط، ج 1، ص 229، ومصادر الحق في الفقه الإسلامي، ج 2، ص 7.[2] القواعد النورانية، ص 288.[3] الفتاوى، ج 3، ص 485، والقواعد النورانية، ص 288.[4] أحكام القرآن، ج 5، ص 152.[5] القواعد النورانية، ص 288.[6] أحكام القرآن، ج 5، ص 27.