إذا رفض الإمام الجمع بين الصلاتين في المطر
 
لو رفض الإمام الجمع مع وجود العذر المبيح للجمع، هل للمأمومين أن يصلوا العشاء جمعًا بإمام آخر؟
لا يشترط اتحاد الإمام والمأموم في الجمع؛ لأن الذي يتم به الجمع هو الجماعة لا عين الإمام والمأموم، وبناءً على ذلك يجوز أن يؤم الصلاة الأولى في الجمع إمام، والصلاة الثانية إمام آخر، قال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه المغني: (وإذا صلى إحدى صلاتي الجمع مع إمام، وصلى الثانية مع إمام آخر، وصلى معه مأموم في إحدى الصلاتين، وصلى معه في الثانية مأموم ثان، صح).
 
وقال الإمام البهوتي الحنبلي في كتابه كشاف القناع: (لا يشترط في الجمع - تقديمًا كان أو تأخيرًا - اتحاد إمام ولا مأموم، فلو صلى من يجمع الأولى وحده، ثم الثانية إمامًا أو مأمومًا، أو صلى إمام الأولى وإمام آخر الثانية، أو صلى مع الإمام مأموم الأولى وآخر الثانية... صح الجمع في هذه الصور كلها؛ لأن لكل صلاة حكم نفسها، وهي منفردة بنيتها، فلم يشترط اتحاد الإمام والمأموم).
 
وأفتت بعدم اشتراط اتحاد الإمام والمأموم إدارة الإفتاء في وزارة الأوقاف بدولة الكويت.
 
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل يؤم قومًا، وقد وقع المطر والثلج فأراد أن يصلي بهم المغرب، فقالوا له: يجمع، فقال: لا أفعل، فهل للمأمومين أن يصلوا في بيوتهم أم لا؟ فأجاب فضيلته: (الحمد لله، نعم يجوز الجمع للوحل الشديد، والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء، ونحو ذلك، وإن لم يكن المطر نازلًا في أصح قولي العلماء، وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة؛ إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين، والصلاة جمعًا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع: كمالك، والشافعي، وأحمد، والله تعالى أعلم).
 
إلا أن الإمام ابن عقيل الحنبلي اشترط اتحاد الإمام والمأموم في الجمع؛ لأن كل واحد من الإمام والمأموم أحد من يتم به الجمع، فلم يجز اختلافه، وإذا اشترط دوامه كالعذر اشترط دوامه في الصلاتين).
 
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: لو وقع عذر يبيح الجمع بين الصلاتين كمطر، ولكن أبى الإمام الجمع، فهل للمأمومين الجمع؟
فأجاب فضيلته: لا، يصلون في بيوتهم الصلاة لوقتها.
 
وختامًا ينبغي الإشارة هنا إلى ثلاثة أمور:
1- يحدث كثير من الخلافات في المساجد فيما يتعلق بموضوع الجمع، فعامة الناس ترغب بالجمع، وهناك من يتشدد ويرفض الجمع، وربما تتعالى الأصوات في المسجد وتحدث مشاحنات بين المصلين فيما بينهم، أو بينهم وبين الإمام بسبب هذا الأمر، وهذا أمر غير جائز؛ فللمساجد حُرمة ومهابة ومكانة، لا يجوز التعدي عليها؛ فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن السائب بن يزيد، قال: كنت قائمًا في المسجد، فحصبن رجل - أي رماه بحجر صغير لينتبه عليه - فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما - أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتم من أهل البلد أوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم).
 
2- الإمام هو سيد الموقف في اتخاذ قرار الجمع، وله أن يتشاور مع أهل العلم من المصلين في مسجده، وهو الذي يتحمل مسؤولية فعله بينه وبين ربه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه ولهم))، فمن رضي بجمعهم فليجمع، ومن لم يرضَ ولم تطمئن نفسه به، فله أن يُصلي معه بنية النفل والتطوع، أو أن ينصرف صامتًا هادئًا.
 
3- إذا تحقق العذر المبيح للجمع يقينًا بلا شك، ينبغي على الأئمة عدم التشديد على المصلين، فليس هناك ما يمنع من الأخذ بالرخصة؛ عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته))؛ (رواه أحمد وابن خزيمة وصححه الألباني).
 
وفي رواية أخرى عند ابن حبان والبيهقي والطبراني عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله يحب أن تؤتى رُخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه)).
 
ويخشى على من يبالغ في التشديد على المصلين أن يدخل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((اللهم من وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقُقْ عليه))، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة التامة في الدين والدنيا والآخرة.