هل يلحق المختلعةَ طلاقٌ وظِهار وإيلاء؟

• إن كنا قد سبق أن تحدثنا عن أن المختلعة لا تلحقها الرجعةُ عند تناولنا لنوع الفُرقة الواقعة بالخُلْع - بترجيح الرأي القائل: إن الفُرقة بالخُلْع طلاقٌ بائن - فقد تحدَّث الفقهاءُ عند تناولهم لعدة المختلعة عن مسألة: هل يلحق المرأةَ الطلاقُ أو الظِّهار أو الإيلاء في عدتها من الخُلْع؟ ونعرض في هذا المبحث لآراء الفقهاء حول هذه المسألة:
الرأي الأول:
• ويرى أن الزَّوجة المخالِعة يلحقها الطلاقُ والظِّهار والإيلاء ما دامت في العدة، وإليه ذهب بعضُ الحنفية والظاهرية، ورُوي عن الثَّوري والأوزاعي وسعيد بن المسيّب[1].
 
أدلة هذا الرأي:
استدلَّ أصحاب هذا الرأي بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 230].

فقد شرَع الله تعالى الطلاق بعد ذِكر الخُلْع؛ لأن حرفَ الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ﴾ [البقرة: 230] يُفيد التَّعقيب، مما يستدلُّ به على أن المختلعة قد يلحَقُها الطلاقُ أو الظِّهار أو الإيلاء.
 
الرأي الثاني:
• ويرى أن فُرقة الخُلْع هي فُرقة بينونة، فلا يلحق المختلعةَ طلاقٌ ولا ظِهار ولا إيلاء أثناء العدة، وكذا لا توارث بينهما إذا مات أحدهما أثناء العدة؛ لأن المرأة لا تُعَد زوجةً في هذه الحالة.

وذلك بخلاف المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا، فيلحقها كلُّ ذلك ما دامت في العدة.

وقد قال بهذا الرأي الشافعيةُ والحنابلة وبعض الحنفية، وهو مذهب ابن عباس، وابن الزبير، والحسن البصري، وأبي ثَور، وغيرهم[2].
 
أدلة هذا الرأي:
• استدل أصحاب هذا الرأي بما رُوي عن ابن عباس في رجل اختلع من امرأته ثم طلقها بعد الخُلْع، فقال: لا يحسب شيء من ذلك؛ فإنما طلَّق مَن لا يملِك[3].

• كما استدلُّوا بأن المختلعة ليست زوجة، وليست في معنى الزَّوجة بحالٍ من الأحوال؛ إذ انتهت الزَّوجية بالخُلْع، وإلا لَمَا كانت هناك فائدة من بَذْلِها المالَ مقابل افتداء نفسها - كما سبق بيان ذلك عند الحديث عن نوع الفُرقة الواقعة بالخُلْع.

• ولعلَّ هذا الرأي هو الراجح - والله تعالى أعلم - لاتِّساقِه مع أنه لا يلحق بالمختلعة الرجعةُ، ولنقله عن الصحابة.



[1] حاشية ابن عابدين ج 2 ص 778، المحلى؛ لابن حزم ج 10 ص 237.


[2] الأم ج 5 ص 181،المغني ج 8 ص 183،حاشية ابن عابدين ج 2 ص 778، شرائع الإسلام ص 319.


[3] المغني ج 8 ص 183.