نواقض الوضوء

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله - في منهج السالكين:
[وَهِيَ: اَلْخَارِجُ مِن السَّبِيلَيْنِ مُطْلَقًا. وَالدَّمُ اَلْكَثِيرُ وَنَحْوُهُ. وَزَوَالُ اَلْعَقْلِ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَأَكَلُ لَحْمِ اَلْجَزُورِ. وَمَسُّ اَلْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ. وَمَسُّ اَلْفَرْجِ. وَتَغْسِيلُ اَلْمَيِّتِ. وَالرِّدَّةُ: وَهِيَ تُحْبِطُ اَلْأَعْمَالَ كُلَّهَا. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ اَلنِّسَاءَ ﴾ [اَلْمَائِدَةِ: 6].

وَسُئِلَ اَلنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-:" أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ اَلْإِبِلِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ فِي اَلْخُفَّيْنِ: " وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].
 
الشرح:
نواقض الوضوء: مفسداته التي إذا طرأت عليه أفسدته وأوجبت عليه الوضوء.

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -:" والنواقض نوعان:
الأول: مجمع عليه، وهو المستند إلى كتاب الله – تعالى - وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

الثاني: فيه خلاف، وهو المبني على اجتهادات أهل العلم - رحمهم الله - وعند النزاع يجب الرد إلى كتاب الله -تعالى- وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-"[1].

نواقض الوضوء هي:
أولاً: الخارج من السبيلين:
والسبيلان: هما الطريقان، والمقصود بهما القبل والدبر.
الخارج من السبيلين لا خلاف أنه ناقض.

والخارج من السبيلين على أنواع:
1- البول والغائط:
ويدل على ذلك: أ. قوله – تعالى -: ﴿ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ ﴾ [ المائدة: 6].

ب. وحديث صفوان بن عسّال - رضي الله عنه - قال:" كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ"[2]. وكذا لو خرج من أحد السبيلين دم، فيعتبر ناقضاً قليلاً كان أو كثيراً.

2- الريح:
لحديث أبي هريرة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا "[3].

3- المذي والودي:
لحديث علي - رضي الله عنه - قال: كنت رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ "[4].

المذي: هو ماء رقيق ليس له رائحة المني، ويخرج بدون دفق عند الشهوة وعند فتورها.

الودي: عصارة تخرج بعد البول، وهو نقط بيضاء في آخر البول.

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -:" أما الودي فله أحكام البول من كل وجه ".

ويدخل في الخارج من السبيلين: المني، ودم الحيض، والنفاس، وهي توجب الغسل بعد الطهر. وستأتي أبحاثها - إن شاء الله - في باب الغسل وباب الحيض.

ثانياً: الدم الكثير:
على قول المؤلف - رحمه الله - في المتن أن الدم الكثير ينقض الوضوء، والقول الراجح -والله أعلم-: أن الدم لا ينقض الوضوء إن كان من غير السبيلين؛ لعدم الدليل على ذلك - وسبقت المسألة في باب إزالة النجاسة-. وأن هذا القول هو الذي رجحه المؤلف في موضع آخر.

ثالثاً: زوال العقل:
زوال العقل نوعين:
1- زوال العقل بالكلية كالجنون مثلاً والإغماء. فهذا ناقض للوضوء يسيره وكثيره.
2- زوال العقل لفترة معينة للإنسان فيه إرادة كالنوم.

وهذا ينقسم إلى قسمين:
أ- النوم المُستغرق الطويل:
وهذا ناقض للوضوء لحديث صفوان بن عسّال - رضي الله عنه - السابق: "وَلَكِنْ مِنْ غَائِط وِبَول وَنوْم"[5].

ب- النوم غير المُستغرق الخفيف:
وهذا لا ينقض الوضوء لحديث أنس - رضي الله عنه - قال:" كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤون"(4).

ضابط النوم الذي لا ينقض الوضوء:
وهو النوم الذي لا يذهب معه شعور الإنسان، بحيث يحسّ بمن حوله.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمة الله عليه -:" النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقاً قد أزال الشعور، أما النعاس فلا ينقض الوضوء لأنه لا يذهب معه الشعور".

رابعاً: أكل لحم الإبل:
ويدل على ذلك:
1- حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قال:
" نَعَمْ، تَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ "[6].

2- حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ "[7].

ويدخل في معنى اللحم: الكرش، والقلب، والمصران، والكبد، والكلية، والطحال، واللسان وما أشبهها على القول الأحوط.
وأما: المرقة واللبن فلا تنقض الوضوء؛ لأن النص في اللحم، وهي ليست كذلك ولا في معنى اللحم.

خامساً: مس المرأة:
الصحيح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً بغير شهوة أو بشهوة، إلا أن يخرج منه شيء كالمني والمذي.
• ومن الأدلة على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء: حديث عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها قالت:" فَقَدْت رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَضَعْت يَدِي عَلَى بَاطِنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ"[8].

وعنها قالت:" كنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ"[9].

وأما قوله – تعالى -:﴿ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء ﴾ فالمراد باللمس هنا: الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.

سادساً: مس الفرج:
ويدل على ذلك: حديث بسرة بنت صفوان - رضي الله عنها - قالت:" قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ "[10].

قال البخاري - رحمه الله - عن هذا الحديث:" هو أصح شيءٍ في الباب ".
 
وجاء حديث عن طلق بن علي - رضي الله عنه - مرفوعاً: الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء؟ فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-:" إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ "[11] فدل هذا الحديث على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، والجمع بين الحديثين أن يقال: مس الذكر لا ينقض الوضوء، والوضوء منه مستحب؛ لحديث بسرة فهو ينزل منزله الاستحباب والصارف عن الوجوب حديث طلق بن علي - رضي الله عنه -، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا ابن عثيمين - رحمهما الله -، ولو توضأ المسلم فهذا أحوط له، والأخذ بحديث بسرة - رضي الله عنها - أحوط، ورجح ابن القيم - رحمه الله - حديث بسرة على حديث طلق بن علي من سبعة وجوه كما في تهذيب السنن.

• المقصود بمس الذكر: أن يكون مباشرة بدون حائل، أما مع حائل فلا يعد لمساً.

• الذي ينقض الوضوء مس الذكر، لا ما حوله سواء ببطن الكف أو بظهرها.

• الحكم عام في الرجال والنساء للرواية الثانية عند أحمد والنسائي:" مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " [12].

• المقصود بالفرج هو: القبل والدبر، قال الشيخ محمد بن عثيمين - رحمة الله عليه - في:" ومس الدبر داخل في عموم الفرج"[13].

سابعاً: تغسيل الميت:
الصحيح: أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء.
والدليل: عدم الدليل على النقض؛ لأن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، ولا دليل من كتاب ولا سُنَّة ولا إجماع. وهذا قول جمهور العلماء.

ثامناً: الردة:
هي: الارتداد عن الإسلام بتركه إلى الكفر. اختصت الردة بأنها تحبط الأعمال كلها ومنها الوضوء، لقوله – تعالى -:﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ المائدة: 5].

وقوله – تعالى -: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [ الزمر: 65].

وقوله- تعالى-: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة:217].
 
مستلة من بداية المتفقهين في شرح منهج السالكين (كتاب الطهارة)



[1] انظر: في الممتع (1/286 ).


[2] رواه الترمذي برقم (96)، رواه النسائي برقم (127).


[3] رواه مسلم برقم (362).


[4] رواه البخاري برقم (178)، رواه مسلم برقم (303).


[5] رواه الترمذي برقم (96)، رواه النسائي برقم (127).


[6] رواه مسلم برقم (360).


[7] رواه أبو داود برقم (184).


[8] رواه مسلم برقم (486).


[9] رواه البخاري برقم (382)، رواه مسلم برقم (512).


[10] رواه أبو داود برقم (181)، رواه الترمذي برقم (82).


[11] رواه أبود داود برقم (182)، رواه الترمذي برقم (85).


[12] رواه النسائي برقم (444)، رواه أحمد (21689).


[13] انظر: الممتع (1/292).