مشروعية الخلع والحكمة من تشريعه (2)

الرأي الراجح وسبب الترجيح:
• مِن خلال ما عرضناه في المقالين السابقين؛ من آراء للسادة الفقهاء وأدلتهم، نستطيع أن نرجِّحَ رأي الجمهور القائل بمشروعية الخُلع كنوعٍ من أنواع الفُرقة التي شرَعها الإسلام؛ وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: قوة الأدلة التي يستند إليها المجوِّزون للخلع:
• يتميز الرأي القائل بمشروعية الخلع بسلامة الأدلة التي يستند إليها وقوتها، بحيث لم تُعارَضْ بما يهدمها، كما تعرَّضت أدلةُ المانعين له، وتستمد أدلةُ القائلين بمشروعية الخلع قوتَها مما يلي:
أ - تنوُّع الأدلة وتعددها:
تتميزُ أدلة هذا الرأي من ناحيةٍ بتنوعها؛ فأصحاب هذا الرأي يستندون إلى القرآن الكريم، وإلى السنَّة الشريفة، كما يستندون إلى الإجماع، وإلى المعقول.
 
كما تتميز أدلة هذا الرأي من ناحية أخرى بأنها قد تتعدَّدُ داخل النوع الواحد؛ ففي استدلالِهم بالسنَّة النبوية الشريفة أورَدوا عدةَ روايات مختلفة تدلُّ على تعدُّد طُرق الحديث، وربما تعدُّد الواقعة، وكما سبق أن أورَدنا عن صاحب الفتح: اختلف في امرأة ثابت بن قيس؛ فذكَر البصريون أنها جميلةُ بنتُ أُبَيٍّ، وذكر المدنيُّون أنها حبيبةُ بنت سهل، ثم يقول: والذي يظهَرُ أنهما قصتانِ وقَعَتا لامرأتينِ؛ لشهرة الخبَرين، وصحَّة الطريقينِ، واختلافِ السِّياقينِ[1].
 
كما أنهم في استدلالهم بالمعقول قد أوردوا عدةَ أدلة عقلية، وليس دليلاً واحدًا، ولا شك أن تنوُّعَ الأدلة وتعدُّدَها على النحوِ الذي أسلفنا بيانَه يَزيدُ في قوتِها، ويجعلُ بعضَها يؤكدُ بعضًا.
 
ب - وضوح دلالة النصوص:
فالنصُّ القرآني الذي استندوا إليه، وهو قولُه تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [البقرة: 229] - واضحُ الدلالة على معناه؛ إذ يفهَمُ كلُّ مَن يقرؤُه أن المولى - عز وجل - يبيِّنُ لعباده أنه لا جُناحَ على الزوجين أن يتَّفقا على أن تفتدي المرأةُ نفسَها إن خافا ألا يُقِيما حدودَ الله، وهذا بخلافِ ما أورَده المانعون للخُلع مِن أن هذه الآيةَ نُسِخت بقول الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 20]، وهو قول مُناقَشٌ، كما سبَق بيانه.
 
كما أن الأحاديثَ النبوية التي استند إليها المجوِّزون للخُلع رغم تعدد رواياتها فإنها تؤدِّي إلى معنًى محدد، ويُستقى منها فهمٌ واضح، وهو أنه لا بأس من أن تفتدي المرأةُ نفسَها من زوجها إن هي لَم تُرِدْ دوام معاشرته؛ حيث إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طلَب من ثابت بن قيس قَبولَ العِوَض من زوجته وأن يخالعَها بعد أن كرهت معاشرتَه، وهذا بخلاف الأحاديث التي استند إليها المانعون للخلع؛ إذ إنها تقبل تأويلاتٍ شتى.
 
ج - صحة الأحاديث النبوية وقوة أسانيدها:
تمتازُ الأحاديثُ النبوية التي احتج بها المجوِّزون للخُلع بصحتها عند علماء الحديث، ولم يطعن أحدٌ من العلماء في أسانيدها، وهذا بخلاف الأحاديث التي استند إليها المانعون للخُلع؛ إذ لَم يصل الحديثُ الأول منها إلى درجة الصحة، والحديث الثاني مطعون عليه، وهو ما سبق بيانه.
 
ثانيًا: مناقشة الأدلة التي يستند إليها المانعون للخلع:
لم تسلَمِ الأدلة التي أوردها المانعون للخلع من مناقشتها والرد عليها، وذلك كما يلي:
أ) القول بأن الآية التي في سورة النساء، وهي قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 20]، ناسخةٌ لقول الله - عز وجل - في سورة البقرة: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [البقرة: 229] - هو قولٌ يفتقر إلى دليل؛ إذ إن دعوى النسخ لا تسمع حتى يثبُتَ تعذُّر الجمع، ويثبت كذلك أن الآية الناسخة متأخِّرة في نزولها عن الآيةِ المنسوخة، ولم يثبت شيءٌ من ذلك[2].
 
فالآية الأولى تنهى الزوجَ إن هو كرِه زوجته وأراد أن يستبدلها أن يأخذ مما أعطاها شيئًا وإن كان قد أعطاها قنطارًا من المال، كناية عن الكثرة؛ إذ ليس للزوج أن يضرَّ بزوجته لرغبة ألَمَّت به هو، أما الآية الثانية، فتشير إلى أنه لا جُناحَ على الزوجين أن يتفقا على افتداءِ المرأة نفسَها إن خافا ألا يقيما حدودَ الله على النحو الذي أسلفنا شرحه، فليس هناك تعارضٌ بين الآيتين، كما أن العِلم بتأخُّر الناسخ عن المنسوخ مُنتَفٍ، فتكون دعوى النسخ لا دليلَ لها.
 
ب) استدلال الرأي المانع للخُلع بالسنَّة النبوية لم يسلَمْ من المناقشة كذلك؛ فاستدلالهم بحديث: ((أيُّما امرأةٍ سألت زوجَها الطلاقَ من غير بأس، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنة)) - إهدارٌ للقيد الوارد بالحديث، وهو أن يكون طلبُ الزوجة للطلاق - ومنه الخلع - من غير ما بأس؛ أي من غير سبب يدعو إلى ذلك، كما أن الحديث الثانيَ الذي استدل به الرأيُ المانع للخلع - وهو ما رُوِي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "المختلعاتُ هنَّ المنافقات" - هو حديثٌ مطعونٌ في سنده، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك.
 
• وعلى نحوٍ مجمل، فإن الأدلة التي أوردها أصحاب الرأي المانع للخُلع لا تقوَى على معارضة أدلة أصحابِ الرأي القائل بمشروعيته، لا سيما إذا استصحبْنا قرينةَ الإباحة، التي هي أصلُ الأحكام وَفْقًا للراجح عند السادة الفقهاء.
 
ثالثًا: القول بمشروعية الخُلع ضرورة عقلية واجتماعية:
إذ كيف يقبل أن تُجبَر امرأةٌ على أن تعاشر زوجًا تُبغِض رؤيته، أو تُنكِر أخلاقه، أو لا تسلَمُ من إيذائه، فإذا ما طالبَتْه بالطلاق أبى؛ لأن في الطلاقِ مؤونة وتكلفة عليه.
 
فالقول بهذا يفتح أبوابًا واسعة من الفوضى الاجتماعية، ويؤدي إلى انتشار العديدِ من الجرائم؛ كالقتل والزِّنا.



[1] فتح الباري ج 9 ص 394.


[2] المغني؛ لابن قدامة، 6 ص 174.