من نفحات علم الأصول (2)
(مرتبة العفو)!

الحمد لله، وصلى الله على نبيه ومصطفاه، وبعد:
فمرتبة العفو يذكرها بعض الفقهاء بين المُباح والحرام؛ ففيها من كلٍّ شبهٌ، ولها إلى كلٍّ نوعُ توجُّه، ومثالها حكم الخمر قبل تَحريمها، فإنَّ إطلاق القول بالإباحة غير سائغ؛ لأنَّ المُباح مُستوي الطرفَين في النفع والضر، والخمر ليسَت كذلك نصًّا؛ قال الله تعالى فيها وفي الميسر: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]، فشرب الخمر لم يكن مباحًا في نفسه، وإنما كان في رتبة العفو، فالحاصل أنَّ شاربها لم يكن مؤاخذًا ولا معاقبًا إلى زمان التحريم.

ذكَّرني هذا الفرق بين المباح والعفو بما اصطنعه فقهاء القانون الجنائي مِن الفرْق بين ما سمَّوه "أسباب الإباحة" و"موانع المسؤولية"، فالفاعل في الحالين غير مسؤول جنائيًّا، غير أنَّ وصف الجريمة باقٍ مع مانع المسؤولية، زائلٌ بسبب الإباحة.

ومثال الأول: من أكره بالقتل على ضرب آخر أو إتلاف ماله، فإنَّ الإكراه لا يُزيل وصف الإجرام عن الفعل؛ وإنما يقوم مانعًا دون العقوبة التعزيرية، بخلاف من دفع صائلاً بما يَستطيع، فإن فعله مباح ما كان بشرطِه وقيده، وهو الذي يُسمَّى في القانون "الدفاع الشرعي".

والله أعلم، وصلِّ اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.