التائب بعد قذف المحصنات
 
حكم قذف المملوك والخدم:
ربما يتساهل بعض الناس في قذف خادمه أو مملوكه ويظن أنه لن يحاسب على ذلك وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهْوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ»[1].
 
حكم التائب بعد القذف:
فإذا تاب القاذف بعد الحد فهل تقبل شهادته ويرتفع فسقه؟
 
اختلف العلماء في ذلك علي قولين:
الأول: إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق.
وهو قول مالك والشافعي وأحمد واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[2].
 
عن حُصَيْنٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً جُلِدَ حَدًّا فِي قَذْفٍ بِالرِّيبَةِ فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ ضَرْبِهِ أَحْدَثَ تَوْبَةً قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ قَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ فَلَقِيتُ أَبَا الزِّنَادِ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي: الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ[3].
 
الثاني: أن الفسق يرتفع بالتوبة، ولكنه يبقى مردود الشهادة أبدًا. وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: قال إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًا. وممن ذهب إليه من السلف القاضي شُرَيح، وإبراهيم النَّخَعِيّ، وسعيد بن جُبَيْر، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم.



[1] رواه البخاري- كتاب الحدود، باب قذف العبيد- حديث: ‏6480‏، ومسلم- كتاب الأيمان، باب التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا- حديث: ‏3223‏.


[2] سورة النور: الآية / 5.


[3] رواه البخاري- كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف والسارق والزاني، و البيهقي- كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف، حديث: ‏19128‏.