سيبويه ومسألة غسل المرفقين والكعبين في الوضوء

يقول الله تعالـى: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6]، فإن المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس، والخلاف: هل يدخل المرفقان في الوضوء، فيجب غسلهما؟ أم ماذا؟
 
قيل: إن "إلى" في قوله: ﴿ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6]؛ بمعنى (مع)؛ أي: فاغسلوا أيديكم مع المرافق، كما في قوله تعالى: ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾ [هود: 52]، فدخول المرفقين إنما تم بالسنة المطهرة.
 
يقول ابن رشد (ت 595هـ): "اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6]، واختلفوا في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، إلى وجوب إدخالها، وذهب أهل الظاهر، وبعض متأخري المالكية، والطبري، إلى أنه لا يجب إدخالها في الحكم"[1]، وسبب الاختلاف الاشتراك الذي في (إلى)؛ هل هي للغاية، أو هي بمعنى (مع)؟ وكذلك اليد في كلام العرب، تطلق على الكف فقط، وعلى الكف والذراع والعضد، وهكذا ترى كيف أدى اختلاف المعنى في (إلى) إلـى اختلاف الـحكم، فإذا كانت (إلى) بـمعنى (مع)، فالمرفقان داخلان في الـحكم، وإذا كانت للغاية فإن المرفقين داخلان بالسـنة المطهرة.
 
قال ابن جرير الطبري، وبعض الفقهاء[2]: إن غسل المرفقين ليس بفرض، ولكنه سنة؛ لأن الغاية في قوله تعالى: ﴿ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6].
 
تحتمل أن يدخل المرفقان في الوجوب، وتحتمل ألا يدخلا، ولا وجوب مع الاحتمال، ولكن الاحتياط في الغسل؛ ولذا كان سنةً، وقال بعض الفقهاء: إنـهما داخلان في وجوب الغسل، وبنى ذلك على أن (إلى) بمعنى (مع)، وعلى ما قرره سيبويه مع بعض علماء اللغة؛ من أن ما بعد "إلى" إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الـحد، وإلا لا يدخل، وعلى ذلك يكون المرفقان داخلين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لازَمَ في وضوئه غسل المرفقين، ولم يُعرف أنه غسل اليدين من غير المرفقين، وقال إمام الحرمين في "البرهان": إنه مذهب سيبويه[3]، فإن المرفق منفصل بـجزء مشتبه، وليس تعيين بعض الأجزاء أولى من تعيين البعض، فوجب الـحكم بالدخول، وقول الحنفية موافق لقول نحاة الكوفة، وما قاله الجمهور موافق لقول سيبويه، وبقية البصريين[4].
 
أما قوله تعالى: ﴿ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ [المائدة: 6]، فإن كانت "إلى" بمعنى (مع) فالمعنى واضح، وإن كانت "إلى" للغاية فإن السـُّنة هي التي أوضحت وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، كما تقدم[5].
 
والخلاف - أيضًا -: هل يدخل الكعبان في الوضوء، فيجب غسلهما؟ أم ماذا؟ والكعبان هما الجزءان البارزان في أعلى القدم، والخلاف في دخولهما هو كالخلاف في دخول المرفقين، والـحجة واحدة[6]، وفـي هذا الشأن يقول إمام الحرمين الجويني: "فالمختار - إذًا - في قولـه: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ [المائدة: 6] ما ذكره متبوع الجماعة، وسيد الصناعة سيبويه"[7].



[1] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، تحقيق عبدالمجيد طه، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م، (1/ 36).


[2] ينظر: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، لابن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، وأحمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، 1337هـ (10/ 47)، والأم، لمحمد بن إدريس الشافعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1400هـ/ 1980م (1/ 22)، والبحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (2/ 54)، والقواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية، لابن اللحام البعلي الدمشقي الحنبلي، تحقيق: عبدالكريم الفضيلي، المكتبة العصرية، 1420 هـ / 1999م (1/ 199).


[3] ينظر: البرهان، للزركشي (4/ 422)، والبحر المحيط، للزركشي (2/ 484)، والقواعد والفوائد، لابن اللحام (ص: 199).


[4] الكوكب المنير شرح مختصر التحرير، لابن النجار الحنبلي، تحقيق: محمد الزحيلي، مكتبة العبيكان، 1413 هـ/ 1993م (2/ 49).


[5] أضواء البيان، للشنقيطي (1/ 275).


[6] زهرة التفاسير، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، بيروت (ص: 2050).


[7] البرهان في أصول الفقه، للجويني (1/ 328).