الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة (2)

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله - في منهج السالكين: [وَ يَسْتَتَرُ بِحَائِطٍ أَو غَيْرَه. وَيُبْعِدُ إِنْ كَانَ فِيْ الفَضَاءِ. وَلا يَحِلُّ لَه أَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ فِيْ: طَرِيْقِ. أَو مَحَلِّ جُلُوسِ للنَّاسِ. أَو تَحْتَ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ. أَوْ فِي مَحَلٍّ يٌؤذِي بِهِ النَّاسَ"].
♦♦♦♦

الشـرح:
رابعاً: يسن لمن أراد أن يقضي حاجته أن يستتر.
لحديث عبدالله بن جعفر - رضي الله عنه - قال: " وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ [1]، أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ[2]"[3].
 
ويدل عليه أيضاً حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -:" مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ ".
 
أما إذا كان يخشى الناظر ويتوقعه، فإن الاستتار حينئذ واجب.
 
خامساً: يستحب البُعد لمن أراد قضاء الحاجة في الفضاء.
لحديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - في الصحيحين قال: " فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ "[4].
 
وحديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - عند أبي داود:"َأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ [5]أبَعَدْ"[6].
 
الأماكن التي لا يجوز قضاء الحاجة فيها:
1- طريق الناس أو ظلهم.
لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ ". قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:" الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ " [7]، وعند أبي داود من حديث معاذ - رضي الله عنه -:" اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ[8]..." [9].
 
2- الجحر والشق.
لحديث عبدالله بن سرجس - رضي الله عنه -:" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ"[10].
 
قال ابن القيم - رحمه الله -:"وما ذاك إلا لأنها قد يكون ذريعة إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول فربما آذوه".
♦♦♦♦

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في منهج السالكين: [وَلَا يَسْتَقْبِلُ اَلْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرُهَا حَالَ قَضَاءِ اَلْحَاجَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلْم -: "إِذَا أَتَيْتُمُ اَلْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
♦♦♦♦

الشـرح:
سادساً: يحرم استقبال القبلة و استدبارها حال قضاء الحاجة.
يحرم استقبال القبلة و استدبارها أثناء قضاء الحاجة، سواء كان ذلك في الفضاء، أو البنيان على القول الراجح وهو الأحوط، وذهب إلى التحريم مطلقاً: ابن تيمية وابن القيم، وبه قال الشيخ عبدالرحمن السعدي وهو قول الشوكاني والألباني - رحمهم الله -.
 
ويدل على ذلك: حديث أبي أيوب - رضي الله عنه - الذي استدل به الشيخ عبدالرحمن السعدي ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " فَلَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا [11] ".[12].
 
وقال ابن القيم - رحمه الله -:" لا فرق بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلاً "[13].
 
قال ابن جبرين - رحمه الله -:" وعليه فإذا دخلت الأماكن المبنية - كهذه الدورات - ووجدتها قد وُجهت للقبلة فإنك تنحرف قليلاً إما يميناً أو يساراً، ولو كنا داخل البيوت، ففي تمام حديث أبي أيوب- رضي الله عنه - هذا، يقول أبو أيوب - رضي الله عنه -:" فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله - عز و جل -" أ.هـ.
 
ومن الآداب أيضاً غير ما ذكر الشيخ عبدالرحمن السعدي:
سابعاً: يكره الاستنجاء أو مس الفرج باليمين وهو يبول.
لحديث أبي قتادة - رضي الله عنه - أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" لاَ يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ وَلاَ يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلاَءِ بِيَمِينِهِ ".[14] وكراهة ذلك هو قول جمهور العلماء.
 
ثامناً: كراهة الكلام أثناء قضاء الحاجة.
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله -: [فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ: اِسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَحْوِهَا، تُنَقِّي اَلْمَحَلَّ. ثُمَّ اسْتَنْجَى بِالمَاء. وَيكْفِي الاِقْتِصِار عَلِى أَحَدِهِمَا. وَلا يِسْتَجْمِر: بِالرَّوْث والعِظَام، كَمَا نَهَى عَنْه النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-وَكَذَلِك كُل مَالَه حُرْمَة. ]
♦♦♦♦

الشـرح:
الاستجمار: هو مسح أثر الخارج من السبيلين - البول والغائط - بالأحجار ونحوها.
 
للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته ثلاث حالات:
1- أن يتطهر بالماء فقط.
لحديث أنس - رضي الله عنه - قال: " كَانَ رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- يَدْخُلُ الْخَلاَءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلاَمٌ نَحْوِي إِدَاوَةً.[15] مَنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً[16] فَيَسْتَنْجِى بِالْمَاءِ"[17].
 
2. أن يتطهر بالأحجار فقط.
لحديث سلمان - رضي الله عنه - قال:" نَهَانَا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ [18]".
 
3. أن يتطهر بالحجارة ثم بالماء.
وهذا أكمل من الحالتين السابقتين؛ لأنه أبلغ في الإنقاء، ولا دليل عليه صحيح.
 
• هل يجوز الاستجمار بغير الحجارة، كالخشب مثلاً؟
يجوز الاستجمار بغير الحجر، كالخشب، والخرق وما في معناها مما ينقِّي المحل، أي: يطهره من النجاسة.
 
• مسألة: يشترط للإستجمار بالحجارة أن تكون ثلاثة أحجار.
لحديث سلمان - رضي الله عنه - السابق، والمراد بالأحجار الثلاثة: أن لكل حجر مسحة، وقد يكون للحجر الواحد ثلاث وجهات، فتجزئ هذه الجهات.
 
• يستحب قطع الاستجمار بالحجر على وتر.
لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ "[19] فإذا أنقى بأربعة أحجار يستحب أن يزيد خامسة وهكذا، وأما الإيتار بالثلاث فواجب كما سبق، وقيل: قطع الاستجمار على وتر واجب وليس بمستحب؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أمر به وقال: " مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ " وهذا القول هو الأحوط والأقوى، والله أعلم.
 
• مسألة: الأشياء التي لا يجوز الاستجمار بها:
1- العظم: لحديث سلمان - رضي الله عنه - قال: "نَهَانا النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ "[20].
 
والحكمة من ذلك: أنها طعام الجن ففي حديث ابن مسعود- رضي الله عنه - عند مسلم في قصة ليلة الجن وفيه سأل الجنُّ النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلّم – الزاد فقال: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعَرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلّى الله عليه وسلّم- "فَلاَ تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ" [21].
 
2- الرجيع (الروث): الروث: جمع روثة، وهي فضلة الدابة ذات الحافر، فيحرم الاستجمار بها.
لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:" أَتَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْت حَجَرَيْنِ وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا فَأَتَيْته بِرَوْثَةٍ فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وقال: " إِنَّهَا رِكْسٌ[22] "رواه البخاري وأحمد.
 
وزاد: " ائْتِنِي بِغَيْرِهَا"[23].
3- الطعام وكل ماله حرمة: باتفاق الأئمة لا يجوز الاستجمار بالطعام؛ لأنه كفر بالنعمة، وكذلك كل ماله حرمة كأوراق المصاحف، وكتب العلم.
 
• مسألة: هل يجوز البول قائماً؟
يجوز البول قائماً؛ لحديث حذيفة - رضي الله عنه - قال:" أَتَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سُبَاطَةَ [24] قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا"[25].
 
يشترط للبول قائماً شرطان:
1- أن يأمن الناظر، بحيث لا يراه أحد وهو يبول.
2- أن يأمن تلويث ثيابه وجسده، بأن لا يرتد إلى ثيابه من بوله شيء.
 
مستلة من بداية المتفقهين في شرح منهج السالكين (كتاب الطهارة)



[1] الهدف: كل بناء مرتفع مشرف.


[2] حائش نخل: أي حائط نخل.


[3] رواه مسلم (342).


[4] رواه البخاري برقم (363)، رواه مسلم برقم (274).


[5] ذهب المذهب: أي ذهب ذهاباً خاصاً لقضاء حاجته.


[6] رواه أبو داود برقم


[7] رواه مسلم برقم (269).


[8] الموارد: جمع مورد وهو الموضع الذي يرده الناس من عين ماء أو غدير أو نحوهما.واللعانين اختلف في معناها فقيل: المستحقان للعن، وقيل: العملان الجالبان للعن، ويدخل في طريق الناس وموردهم،كل طريق يصلح لجلوسهم كالاستراحات والبساتين والحدائق وتحت أشجارهم المثمرة وكل مكان يترددون عليه،كالمساجد والمستشفيات ونحوها مما هي أماكن جلوسهم أو مرورهم.


[9] رواه أبو داود برقم (26).


[10] رواه أبو داود برقم (29)، رواه النسائي برقم (34).


[11] شرقوا أو غربوا: خطاب لأهل المدينة؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لا يستقبلون القبلة، ولا يستدبروها.


[12] رواه البخاري برقم (144)، رواه مسلم (264).


[13] زاد المعاد (1/49).


[14] رواه البخاري برقم (153)، رواه مسلم برقم (267).


[15] الإداوة: إناء صغير من جلد.


[16] العنزة: الحربة الصغيرة.


[17] رواه البخاري برقم ( 152)، رواه مسلم برقم (271).


[18] رواه مسلم برقم (262).


[19] رواه البخاري برقم (161)، رواه مسلم برقم (237).


[20] رواه مسلم برقم (262)..


[21] رواه مسلم برقم (450).


[22] ركس: أي نجس.


[23] رواه البخاري برقم (156)، رواه أحمد برقم (3685).


[24] السباطة: هي ملقى التراب والكناسة وغيرها.


[25] رواه البخاري برقم (226)، رواه مسلم برقم (273).