أثر السياق في دلالة الإيماء والتنبيه ومفهوم الموافقة والمخالفة

استثمر الأصوليُّون السياق في بيان دلالة الإيماء والكشف عنها، إلا أنهم تفاوتوا في عدِّ أنواعِ وصور الإيماء، وذلك بحسَب التبايُنِ في المدارك والأفهام، ومدى مراعاة القرائن في السياق، ونُورِد هنا بعضَ أمثلة يتضح منها أثرُ السياق على دلالة الإيماء:
منها أن يرتب الحُكم على الفعل بفاء التعقيب والتسبيب، فهو تنبيهٌ على تعليل الحُكم بالفعل الذي رُتِّب عليه[1]؛ كقوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 38]، وقوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ [النساء: 43]، وهذه الأمثلةُ تُبيِّنُ أن القطع معلَّل بالسرقة، وأن الصلاة سبب الوضوء، وأن جواز التيمم سببُه فَقْدُ الماء، فكلُّ ذلك تنبيه وإيماء على إضافة الأحكام إلى أسبابها[2].
 
• ومثل ذلك أن يعلَمَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرًا حادثًا، فيحكم عليه بحُكم؛ فجريان الحُكم عقبه كالترتيب عليه بفاء التعقيب؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عليك بالكفَّارة)) لِمَن أفطر في رمضان، فذِكرُ الكفَّارة عقب معرفته بالإفطار بإخباره تنبيهٌ على أن علة الكفارة هي الإفطار، ولا يفهم التعليل في هذا المقام إلا إذا عرف من السياق[3].
 
أثر السياق في دلالة مفهوم الموافقة:
• يكون الحُكمُ في محل السكوت أَولى منه في محل النطق، وإنما يكون كذلك لو عُرِف المقصودُ من الحُكم في محلِّ النُّطق من سياق الكلام، وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاءً للحُكم في محل السكوت من اقتضائه له في محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآية: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء: 23] أن المقصودَ إنما هو كفُّ الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشَّتم والضرب أشدُّ من التأفيف؛ فكان بالتحريم أَولى[4].
 
فإنه يُعلَم من دلالة السِّياق على وجه القطع أن مقصودَ الشارع توقيرُ الوالدين وإجلالهما؛ فالآيةُ سِيقت مساقَ التعظيم، فنبَّه تعالى بالأدنى على الأعلى، فعلم أنه ليس مقصودُه سبحانه بيانَ حُكم صورة المنطوق فقط.
 
أثر السياق في دلالة مفهوم المخالفة:
• اشترط الأصوليون للعمل بمفهوم المخالفة شروطًا لصحة الاحتجاج به، وبملاحظة هذه الشروط يتبين ارتباطُها ارتباطًا وثيقًا مع السياق؛ مما يدل على تأثيره على دلالة مفهوم المخالفة اعتبارًا أو منعًا.
• فاشتراط ألا يكون المنطوق خرج مخرج الغالب[5] - كما في قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283] - استدل به بعضُ العلماء على أن الرَّهن لا يكونُ مشروعًا إلا في السفر[6]، غيرَ أن الجمهور على غير ذلك؛ لأن المنطوق خرج على الغالب، وهو تعذُّر الكاتب في حال السفر، لا حال الحضر؛ ولهذا جاء السياق جريًا على الغالب، والجري على الغالب مانعٌ من موانعِ اعتبار مفهوم المخالَفة[7].
 
• واشتراط ألا يكون المذكور قصد به زيادة الامتنان على المسكوت[8]، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴾ [الواقعة: 73]، فهذه الآيةُ جاءت في سياق الامتنان من الله تعالى على عباده بمنفعة النار، أنها منفعةٌ للنازلين بالقواء من الأرض، وهي الخَلاء التي ليس بها أحد، وهم المسافرون؛ لأنهم ينتفعون بالنار انتفاعًا عظيمًا في الاستدفاء بها، والاستضاءة، وإصلاح الزاد، وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كونَ اللفظ واردًا للامتنان، وبه تعلم أنه لا يعتبر مفهومًا للمقوين؛ لأنه جيء به للامتنان؛ أي: وهي متاع أيضًا لغير المُقْوين من الحاضرين بالعمران، فهكذا منع السياقُ اعتبار دلالة مفهوم المخالفة.
 
• واشتراط ألا يكون المنطوق خرج لبيان حكم حادثة، ومثاله قول الله تعالى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130]؛ فالسياقُ إذا جاءت دلالتُه لبيان الحُكم لواقع أو حادثة، فإنه يمنعُ من الأخذ بدلالة مفهوم المخالَفة من منطوق ذلكم النَّص[9].



[1] شفاء الغليل؛ للغزالي ص (18)، والمستصفى؛ للغزالي (2/ 301).


[2] شفاء الغليل؛ للغزالي ص (18).


[3] الإحكام؛ للآمدي (2/ 321-322)، وشفاء الغليل؛ للغزالي (20).


[4] الإحكام؛ للآمدي (3/ 85).


[5] الإحكام؛ للآمدي (2/ 124)، شرح الكوكب؛ لابن النجار (3/ 490).


[6] بداية المجتهد؛ لابن رشد (4/ 1436)، والمغني؛ لابن قدامة (6/ 444).


[7] أضواء البيان؛ لمحمد الأمين الشنقيطي (!/ 165).


[8] البحر المحيط (4/ 22) وشرح الكوكب المنير؛ لابن النجار (3/ 493).


[9] الإحكام؛ للآمدي (3/ 125)، والفوائد؛ لابن القيم (2/ 1119)، ومفتاح الوصول ص (557).