نظرة جديدة في مسألة التعارض والترجيح
(الترجيح بين الأدلة المتعارضة بالحقائق العلمية الثابتة)!


إنَّ الترجيح هو المسلَكُ العلميُّ الذي يسلُكه المجتهد؛ لاعتماد أحد النصَّيْن عند عجزِه عن الجمع بينهما، أو معرفته بالنَّاسخ منهما، إن كان ثَمَّتَ نسخٌ.
 
فهذه ثلاثة مسالك لإزالة التعارض، وبقي مسلكٌ رابعٌ هو التوقُّف، ويكون عند عجز المجتهد عن الترجيح!
 
والترجيح قد يكون باعتبار الإسناد، وقد يكون باعتبار المتن، وقد يكون باعتبار المدلول، وقد يكون باعتبار أمر خارج؛ فهذه أربعة أنواع.
 
والنوع الخامس: الترجيح بين الأقيِسَة.
والنوع السادس: الترجيح بين الحدود السمعية.
 
وهذا الأنواع حاصرة بحسب العقل كما ترى، لا يَشِذُّ عنها شيء، لكن أفرادها ليست حاصرة، فعند بعضِهم من أفراد المرجِّحات - تحتَ هذه الأنواع - ما ليس عند البعض الآخر!
 
وهذا يعني أن المرجِّحات لا تنتهي، وأن المجتهد كلما رأى مرجِّحًا معتبَرًا لم يَرِدْ ذِكْرُه نصًّا في كلام الأئمة - فله أن يرجِّح به؛ لأنَّهم ذكَروا أن مدار الترجيح على ما يَزيد الناظرَ قوة في نظره، على وجهٍ صحيح، مطابقٍ للمسالك الشرعية، فما كان محصِّلاً لذلك فهو مرجِّحٌ معتبَرٌ!
 
وممَّا يمكن اعتبارُه مرجِّحًا معتبَرًا الحقائقُ العلمية الثابتة، التي تأكَّدَت صحتها بالتجربة، واستقرَّ العملُ بها، وأضحَت بمثابة القطعيَّات اليقينيَّة، فهذه لا يمكن للمجتهد إغفالُها وهو يعالج قضية الترجيح بين الأدلة المتعارضة، وإلا كان مُعرِضًا عن منهج الأئمة، مجافيًا مَسالكَ المجتهدين.
 
فإذا أثبت العلم ضرر التدخين يقينًا، بحيث أصبح هذا من المسلَّمات؛ فلِمَ لا يمكن اعتبارُ مثل هذه الحقيقة العلمية الثابتة مرجِّحًا قويًّا لأدلة التحريم، لا مجرَّدَ استئناسٍ فحَسْبُ؟
 
وكذلك إذا أثبت العلم ضرر لُعاب الكلب، وما فيه من جراثيمَ وفيروسات دقيقة لا يمكن القضاء عليها إلا بالصِّفة المغلَّظة الواردةِ في غَسْله، فَلِمَ لا يعتبر هذا مرجِّحًا قويًّا لأدلة نجاسة الكلب؟
 
وإذا أثبت العلم أن بول الرضيعة ممتلئٌ بالبكتيريا الضارَّة، بنسبةٍ تتضاعف عمَّا في بول الرضيع، لاعتبارات تشريحية وفسيولوجيَّة؛ فلِمَ لا يمكن اعتبار هذا مرجِّحًا قويًّا لأدلة التفريق بين الاثنين، وكفاية النَّضْح في بول الغلام، ووجوبِ الغَسل في بول الجارية؟!
 
وإنما قلتُ: "الحقائق العلمية الثابتة"؛ مراعاةً للخلاف، مع أن الأئمة ما اشترطوا في الترجيح أن يكون يقينيًّا، وما اشترطه إلا القاضي، وهو مردودٌ عليه؛ لانعقاد الإجماع على العمل بالظنون المستقلَّة وغير المستقلة!
 
وبإمكان المجتهدين في عصرنا التقعيدُ لمسألة الترجيح بالحقائق العلمية، ووضعُ ضوابطَ وشروطٍ لها، تُيَسِّرُ طريق العمل بها، وقد يمكن استخراجُ ذلك من كلام الأصوليِّين أنفسهم؛ فإنهم قد ذكروا في الترجيح بالأمور الخارجة أنَّه يقدَّم في الترجيح ما عضَّده دليلٌ آخر على ما لم يعضِّدْه دليلٌ آخر، إذا اعتبَرنا العلم التجريبيَّ دليلاً بالمعنى الأُصوليِّ، بل هو أقوى من بعض الأدلة الأصوليَّةِ المعتبرَةِ التي ذكَروها في الترجيح بالأمور الخارجة؛ من حيثُ إفادةُ اليقين، أو غلَبةِ الظن!
 
ومنها: أنه يقدَّم ما عمل أكثر السلف على ما ليس كذلك؛ لأن الأكثر أولى بإصابة الحق، وفيه نظرٌ؛ لأنه لا حجة في قول الأكثر، ولا في عمَلهم؛ فقد يكون الحق في كثير من المسائل مع الأقل؛ ولهذا مدح الله القلَّة في غير موضعٍ من كتابه!
 
ومنها: أن يكون أحدُهما موافقًا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر؛ فإنه يقدَّم الموافِق، وفيه نظرٌ أيضًا.
ومنها: أن يكون أحدُهما توارثَه أهل الحرمين دونَ الآخر، وفيه نظر.
ومنها: أن يكون أحدهما موافقًا لعمل أهل المدينة، وفيه نظرٌ أيضًا.
ومنها: أن يكون أحدهما موافقًا للقياس دون الآخر؛ فإنه يقدَّم الموافق.
ومنها: أن يكون أحدهما أشبهَ بظاهر القرآن، دون الآخر؛ فإنه يقدَّم الأشبه.
ومنها: أنه يقدَّم ما فسَّره الراوي له بقوله أو فعله على ما لم يكن كذلك.
 
فكل هذه المرجِّحات وما أشبهها خارجةٌ عن النصِّ، لا علاقة لها بسنَده، ولا بمتنه، ولا بمدلوله، وأكثرها فيه نظرٌ، على ما حقَّقه أهلُ الأصول.
 
فَلِمَ لا تُعتبر الحقيقة العلمية واحدًا من هذه المرجِّحات الخارجة، ويُؤَسَّسُ لها كمرجِّحٍ مستقلٍّ، يمكنه أن يحسم كثيرًا من مسائل الخلاف، ويُنهي جدلاً كبيرًا حول بعض القضايا الَّتي طال الكلامُ فيها؟!