أثر السياق في دلالات النص والظاهر والاقتضاء

- النص - على ما قدمنا - هو: ما لا يتطرَّق إليه تأويل[1]، وقد اعتقد كثيرٌ من العلماء ندرةَ النص الذي لا يتطرَّق إليه تأويل، حتى قالوا: إن النصَّ في الكتاب قولُه - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، وقوله: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ [الفتح: 29]، وما يظهر ظهورَهم، كما قالوا بندرة النُّصوص في السُّنة[2].
 
في حين يذهب بعض الأصوليين إلى كثرةِ النص في كلام الشارع، فقد يتعيَّن المعنى، ويكون اللفظ نصًّا فيه بالقرائن والسِّياق، لا من جهة الوضع[3].
 
• وقد مثَّلوا لذلك بتحريم الرجوع في الهبة؛ ففي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَثَل الذي يرجع في صدقتِه كمَثَل الكلب يقِيءُ ثم يعودُ في قيئِه فيأكله))[4].
 
ففي هذا الحديث عددٌ من قرائن السياق التي أفادت المنعَ، منها تشبيه الراجع بالكلب، وتشبيه المرجوع فيه بالقيء.
 
قال ابن دقيق العيد: (وذلك يدل على غاية التنفير)، ثم يقول: (كلُّ ما أقام اللهُ به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا، لم يحِلَّ الاختلافُ فيه لِمَن علِمه)[5].
 
• ودلالة النص من الكتاب أو السنَّة الصحيحة تتَّسمُ بالثَّبات؛ فوجوبُ الصلوات الخمس، أو تحريم الشِّرك أو الزِّنا، أو استحباب السِّواك، أو غيرها: أحكامٌ دلالتُها نصيةٌ ثابتة لا تقبل التأويلَ أو الاجتهاد.
 
• وفي سهم المؤلَّفة قلوبُهم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].
 
وقد اختلف أهل العلم في بقاء سهم المؤلَّفة قلوبهم؛ فمنهم مَن ذهب إلى أنه لا مؤلَّفةَ قلوبهم اليوم، وذهب آخَرون إلى بقاء هذا الحُكم[6].
 
واختار بعضُ المحقِّقين التفصيل: إن احتيج إليه، عُمل به، وإلا فلا.
 
فقال الشوكاني بعد حكايته الخلافَ في مسألة التأليف: (والظاهر جوازُ التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمان الإمام قومٌ لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدِرُ على إدخالهم تحت طاعته بالقَسْر والغَلَب، فله أن يتألَّفَهم، ولا يكون لفُشوِّ الإسلام تأثيرٌ؛ لأنه لا ينفع في خصوص هذه الواقعة)[7].
 
والذين يرون تبدُّلَ دلالة النص وتغيُّره بتغيُّر الزمان، يعتمدون على بعض الشُّبَه التي يرون فيها أصلاً لنظرتهم إلى دلالة النص، ومن ذلك تعلُّقُهم بمنع أبي بكر وعمرَ إعطاءَ المؤلَّفة قلوبهم، وجعلوا من ذلك دليلاً على تعطيل الصحابة للنصوص، وتبديلهم لها وَفْق متغيِّرات الزمان والمكان، من غير نظر منهم لسياق مقالِها ومقامها، والجواب عن ذلك بأن النصَّ الوارد في المؤلفة قلوبهم ثابتٌ في القرآن لم يتبدَّلْ ولم يتغيَّرْ، وأن الخلاف يكون في عدِّهم من المؤلفة قلوبهم من عدمِه، لا في ثبات النص ووجوب تطبيقه، فلا تغيير ولا تبديل، ومناطُ الآية ثابتٌ إلى يوم القيامة، وهو إعطاء المؤلَّفة قلوبهم، ومنع غير المؤلَّفة، والتطبيق يكون بحسَب الواقعة والحال[8].
 
أثر السياق في دلالة الظاهر:
• لما كانت دلالةُ الظاهر من باب الرُّجحان، فإنها قد تختلُّ في بعض الأحيان لوجود مقتضٍ لذلك، فيحتاج المرء إلى التحقُّق من هذه الدلالة، وبعد البحث لا يوجد دليلٌ يُفيد في بيان المراد، ولكن بمراجعة سياق النص وسياق الموقف يستطيع المجتهدُ أن يتبيَّنَ المراد منه.
 
• فالطبري عند قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205]، يقول: اختلف أهلُ التأويل في معنى الإفساد الذي أضافه اللهُ - عز وجل - إلى هذا المنافق، فقال بعضهم: تأويله: قطعُه الطريق وإخافته السبيل، وقال بعضهم: بل معنى ذلك: قطعُ الرَّحِم، وسفك دماء المسلمين...، والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنَّ الله - تبارك وتعالى - وَصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولَّى مدبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمِل في أرض الله بالفساد، وقد يدخل في "الإفساد" جميعُ المعاصي؛ وذلك أن العملَ بالمعاصي إفسادٌ في الأرض، فلم يخصُصِ اللهُ وصفَه ببعض معاني "الإفساد" دون بعض، وجائزٌ أن يكون ذلك الإفسادُ منه كان بمعنى قطع الطريق، وجائز أن يكون غيرَ ذلك، غيرَ أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل؛ لأن الله - تعالى ذِكرُه - وصَفه في سياق الآية بأنه ﴿ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾ [البقرة: 205]، وذلك بفعلِ مخيفِ السبيل أشبهُ منه بفعل قطَّاع الرَّحِم)[9].
 
فقد استدل الطبريُّ هنا بالسِّياق في تقرير المعنى الذي دلَّ عليه ظاهرُ الآية.
 
أثر السياق في دلالة الاقتضاء:
• أثرُ السياق في هذه الدلالة واضحٌ؛ ذلك أن مبنى دلالةِ الاقتضاء هو على تقدير محذوفاتٍ يقتضيها السياق.
 
فدلالة الاقتضاء لا تكون أبدًا إلا على محذوف دلَّ المقام عليه، وتقديره لا بد منه؛ لأن الكلام دونه لا يستقيم، لتوقُّف الصدق أو الصحة عليه.
 
• وقد اعتمد الشافعي على دلالة السياق في تقدير المحذوفات، فقال: باب الصنف الذي يبيِّنُ سياقُه معناه، ثم ذكر قول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 163]، دَلَّ على أنه إنَّما أراد أهلَ القرية الحاضرة البحر، فلما قال: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾ دَلَّ على أنه إنَّما أراد أهلَ القرية؛ لأن القرية لا تكونُ عاديَةً ولا فاسقةً بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهلَ القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون.
 
وقال: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ [الأنبياء: 11، 12].
 
وهذه الآية في مِثل معنى الآية قبلها، فذكر قَصْمَ القرية، فلما ذكر أنها ظالمةٌ بان للسامع أن الظالِمَ إنما هم أهلُها، دون منازلها التي لا تظلِم، ولما ذكر القوم المنشَئين بعدها، وذكر إحساسهم البأسَ عند القَصْم، أحاط العلم أنه إنما أحس البأسَ مَن يعرف البأسَ من الآدميين[10].
 
• وذلك كقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ [النساء: 23]، وكقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ [المائدة: 3]، فإنه دل السياقُ على أن المراد في الآية الأولى تحريمُ الوطء، وفي الآية الثانية تحريم أكل الميتة، فهذا هو المتبادر من ظاهر الخطاب؛ فالقرآن جارٍ على سنن العرب في كلامها، ومن سننهم الحذفُ والإيجاز في بعض المواضع[11].



[1] البحر المحيط؛ للزركشي (1/ 464)، وشرح الكوكب المنير؛ لابن النجار (3/ 478).


[2] البرهان؛ للجويني (1/ 151).


[3] مفتاح الوصول ص (433).


[4] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة، حديث (2621)، وفتح الباري (5/ 288)، ومسلم في صحيحه حديث (4146)، وشرح النووي على مسلم (11/ 66).


[5] إحكام الأحكام؛ لابن دقيق العيد ص (553).


[6] تفسير الطبري (11/ 523)، وبداية المجتهد؛ لابن رشد (2/ 541)، والجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (8/ 166)، ونيل الأوطار؛ للشوكاني (3/ 78).


[7] نيل الأوطار؛ للشوكاني (3/ 78).


[8] تعليل الأحكام؛ للدكتور محمد مصطفى شلبي (37).


[9] تفسير الطبري (2/ 184).


[10] الرسالة ص (62-63).


[11] الصاحبي؛ لابن فارس ص (211)، وشفاء الغليل؛ للغزالي ص (54).