أثر السياق في بيان المجمل
• من الأمثلة التي يوردها الأصوليُّون لبيان أثر السياق في بيان المجملات: ما جاء في معنى قوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238]؛ فعن زيد بن أرقم[1] قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلِّمُ الرجل صاحبه وهو بجنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام[2].
قال ابن دقيق العيد[3]: القنوت يُستعمَل في معنى الطاعة، وفي معنى الإقرار بالعبودية، والخضوع والدعاء، وطول القيام، والسُّكوت[4].
والأرجح في هذا كلِّه حملُه على ما أشعر به كلام من السياق؛ فإن المشاهِدين للوحي والتنزيل يعلَمون بسبب النزول ما يُرشِدهم إلى تعيين المحتملات، وبيان المجمَلات[5].
• كما عُنِي الطبريُّ بهذا المجال، وجعَله مطيَّتَه في بيان كثيرٍ من المواضع التي اعتراها الإجمال، وصارت مثارَ خلافٍ بين المفسِّرين.
والأمثلة كثيرة، منها ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ [البقرة: 223]، قال: (واختلف أهل التأويل في معنى: ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾، فقال بعضهم: معنى ﴿ أَنَّى ﴾: كيف... وقال آخرون: معنى: ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾: متى شئتم... وقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئتم، وحيث شئتم... وقال آخرون: معنى ذلك: ائتوا حرثَكم كيف شئتم، إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا)[6].
ثم بيَّن الصواب فقال: (والصواب من القول في ذلك عندنا قولُ من قال: معنى قوله: ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾: من أيِّ وجهٍ شئتم).
ثم أخَذ يبيِّنُ وجه الصواب، وكيف دلَّ السياق على المعنى المراد، محتكمًا للضوابط العامة للاستدلال بالسياق من اعتبار لغة العرب، واستعمالها للفظ (أنَّى)، ذاكرًا شواهدَ ذلك من نثرِهم وشِعرهم.
فمعلوم أن قول الله - تعالى ذكره -: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ [البقرة: 223]، إنما هو فَأْتوا حرثكم من حيث شئتم من وجوه المأتى، وأن ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل، وإذا كان ذلك هو الصحيحَ، فبَيِّنٌ خطأُ قولِ مَن زعم أن قوله: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار؛ لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال - تعالى ذِكره -: ﴿ حَرْثَكُمْ ﴾، فأتوا الحرث من أي وجوهِه شئتم، وأيُّ مُحْتَرَثٍ في الدُّبر؟
[1] هو الصحابي الجليل زيدُ بن أرقم الأنصاري الخزرجيُّ، غزا مع رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع عَشْرة غزوة، نزل الكوفة وسكَنها، توفي في سنة 68 هـ؛ الاستيعاب لابن عبدالبر (2 /109).
[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ حديث (4534)، وفتح الباري (8 /249)، ومسلم في صحيحه، حديث (1203)، وشرح النووي على صحيح مسلم (5 /28-29).
[3] هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع، أبو الفتح، المعروف كأبيه وجده بابن دقيق العيد: قاضٍ، من أكابر العلماء بالأصول، نشأ بقوص، وتعلَّم بدمشق والإسكندرية، ثم بالقاهرة، ولِيَ قضاءَ الديار المصرية سنة 695هـ، فاستمرَّ إلى أن توفي بالقاهرة، له تصانيف، منها: (إحكام الأحكام) مجلدان، (شرح الأربعين حديثًا للنووي)؛ (راجع المكتبة الشاملة).
[4] إحكام الأحكام؛ لابن دقيق العيد (ص302)، ومعجم مقاييس اللغة؛ لابن فارس (5 /31).
[5] بدائع الفوائد ص (302)، وفتح الباري؛ لابن حجر (8 /249).
[6] تفسير الطبري (3 /745-754).
أثر السياق في بيان المجمل
جاري تجهيز الصوت…
أثر السياق في بيان المجمل • من الأمثلة التي يوردها الأصوليُّون لبيان أثر السياق في بيان المجملات: ما جاء في معنى قوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238]؛ فعن زيد بن أرقم[1] قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلِّمُ الرجل صاحبه وهو بجنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام[2]. قال ابن دقيق العيد[3]: القنوت يُستعمَل في معنى الطاعة، وفي معنى الإقرار بالعبودية، والخضوع والدعاء، وطول القيام، والسُّكوت[4]. والأرجح في هذا كلِّه حملُه على ما أشعر به كلام من السياق؛ فإن المشاهِدين للوحي والتنزيل يعلَمون بسبب النزول ما يُرشِدهم إلى تعيين المحتملات، وبيان المجمَلات[5]. • كما عُنِي الطبريُّ بهذا المجال، وجعَله مطيَّتَه في بيان كثيرٍ من المواضع التي اعتراها الإجمال، وصارت مثارَ خلافٍ بين المفسِّرين. والأمثلة كثيرة، منها ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ [البقرة: 223]، قال: (واختلف أهل التأويل في معنى: ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾، فقال بعضهم: معنى ﴿ أَنَّى ﴾: كيف... وقال آخرون: معنى: ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾: متى شئتم... وقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئتم، وحيث شئتم... وقال آخرون: معنى ذلك: ائتوا حرثَكم كيف شئتم، إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا)[6]. ثم بيَّن الصواب فقال: (والصواب من القول في ذلك عندنا قولُ من قال: معنى قوله: ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾: من أيِّ وجهٍ شئتم). ثم أخَذ يبيِّنُ وجه الصواب، وكيف دلَّ السياق على المعنى المراد، محتكمًا للضوابط العامة للاستدلال بالسياق من اعتبار لغة العرب، واستعمالها للفظ (أنَّى)، ذاكرًا شواهدَ ذلك من نثرِهم وشِعرهم. فمعلوم أن قول الله - تعالى ذكره -: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ [البقرة: 223]، إنما هو فَأْتوا حرثكم من حيث شئتم من وجوه المأتى، وأن ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل، وإذا كان ذلك هو الصحيحَ، فبَيِّنٌ خطأُ قولِ مَن زعم أن قوله: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار؛ لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال - تعالى ذِكره -: ﴿ حَرْثَكُمْ ﴾، فأتوا الحرث من أي وجوهِه شئتم، وأيُّ مُحْتَرَثٍ في الدُّبر؟[1] هو الصحابي الجليل زيدُ بن أرقم الأنصاري الخزرجيُّ، غزا مع رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع عَشْرة غزوة، نزل الكوفة وسكَنها، توفي في سنة 68 هـ؛ الاستيعاب لابن عبدالبر (2 /109).[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ حديث (4534)، وفتح الباري (8 /249)، ومسلم في صحيحه، حديث (1203)، وشرح النووي على صحيح مسلم (5 /28-29).[3] هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع، أبو الفتح، المعروف كأبيه وجده بابن دقيق العيد: قاضٍ، من أكابر العلماء بالأصول، نشأ بقوص، وتعلَّم بدمشق والإسكندرية، ثم بالقاهرة، ولِيَ قضاءَ الديار المصرية سنة 695هـ، فاستمرَّ إلى أن توفي بالقاهرة، له تصانيف، منها: (إحكام الأحكام) مجلدان، (شرح الأربعين حديثًا للنووي)؛ (راجع المكتبة الشاملة).[4] إحكام الأحكام؛ لابن دقيق العيد (ص302)، ومعجم مقاييس اللغة؛ لابن فارس (5 /31).[5] بدائع الفوائد ص (302)، وفتح الباري؛ لابن حجر (8 /249).[6] تفسير الطبري (3 /745-754).