أثر السياق في دلالة التأويل
 
• يقول الغزالي: (التأويل وإن كان محتملاً فقد تجتمع قرائنُ تدل على فساده، وآحادُ تلك القرائن لا تدفعه، لكن يخرج بمجموعها عن أن يكون منقدحًا غالبًا.. فالقرائن ينبغي أن يُلتفَتَ إليها في تقرير التأويل وردِّه)[1].
 
هكذا يقرِّرُ الغزالي أثرَ القرائن - ومنها السياق - في التأويل.
 
ويقول ابن القيم:
(تأويل اللفظ بمعنى لم يدلَّ عليه دليلٌ من السياق ولا قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصِده المبين الهادي بكلامه؛ إذ لو قصده لحفَّ بالكلام قرائن تدلُّ على المعنى المخالف لظاهره؛ حتى لا يوقع السامعَ في اللَّبس؛ فإن الله تعالى أنزل كلامه بيانًا وهدًى، فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يحفَّ به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيرُه إلى فهم كلِّ أحد، لم يكن بيانًا ولا هدًى... وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس؛ حيث تأوَّلوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يُؤلَفِ استعمالُ اللفظ له في لغة العرب ألبتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح المتأخرين)[2].
 
• وفي مسألة أخذِ الأجرة على تعليم القرآن، أجاز الجمهورُ ذلك، واستدلوا بما رواه أبو سعيد الخدري قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سَفْرة سافروها حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبَوْا أن يضيفوهم، فلُدِغ سيدُ ذلك الحي، فسعَوْا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضُهم: لو أتيتم هؤلاء الرهطَ الذين نزلوا؛ لعله أن يكون عند بعضهم شيءٌ، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدَنا لُدِغ، وسعَينا له بكل شيء، لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيِّفونا، فما أنا بِرَاقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالَحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، فكأنما نُشِطَ من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَةٌ، قال: فأوفَوْهم جُعلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسِموا، فقال الذي رقَى: لا تفعلوا حتى نأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا، فقدِموا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: ((وما يُدريك أنها رقيةٌ؟!))، ثم قال: ((قد أصبتم))[3].
 
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله)) استدلَّ به الجمهورُ على جواز أخذِ الأجرة على تعليم القرآنِ.
 
وقد خالف الحنفيةُ فمنعوا أخذ الأجرة في التعليم، وأجازوه في الرُّقى كالدواء، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرُّقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضُهم الأجرَ في هذا الحديث على الثواب، فأجاب الشوكاني عن ذلك بقوله: سياقُ القصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل[4].



[1] المستصفى (2 /50).


[2] مختصر الصواعق المرسلة (2 /780).


[3] أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الإجارة, باب ما يعطى في الرُّقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب، حديث (2276)، وانظر فتح الباري (4 /571-572).


[4] بداية المجتهد؛ لابن رشد (4 /1345)، ونيل الأوطار؛ للشوكاني (3 /734).