مُذَاكَرَةٌ فِيْ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ

جَرَتْ بَيْنِيْ وَبَيْنَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مُذَاكَرَةٌ فِيْ مَعْنَى قَوْلِ الْفَقِيهِ وَالْأُصُولِيِّ: (هذَا الْحَدِيثُ يُخَالْفُ الْأُصُولَ).
 
فَقُلْتُ: الْأَصْلُ يَأْتِيْ بِمَعْنَى الدَّلِيلِ، وَبِمَعْنَى الْقَاعِدَةِ، وَمَرَدُّ الْمَعْنَى الثَّانِيْ إِلَى الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ، فَمُخَالَفَةَ الْأُصُولِ تَعْنِيْ مُخَالَفَةَ الْأدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِيْ بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، مِنْ نصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ...
 
قَالَ ابْنُ بَدْرَانَ فِيْ كِتَابِهِ (الْمَدْخَلِ إِلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ) فِيْ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةَ عَشَرةَ مِنْ مَسَائِلِ السُّنَّةِ:
الجمهورُ يَقبلُ خبرَ الواحدِ فيما تعُمُّ به البلْوَى؛ كرفْعِ اليدين في الصَّلاة، ونقْضِ الوضوء بمسِّ الذكَر ونحوهما. والمراد مما تعمُّ به البلْوَى ما يكثرُ التَّكْليفُ به.
 
ويُقبل أيضا فيما يَسقُط بالشبهات؛ كالحدود، وفيما يُخالف القياسَ، وفيما يُخالف الأصولَ، أو معنى الأصولِ!
 
والفرقُ بين المسألتين أنَّ القياسَ أخصُّ من الأصول؛ إذ كلُّ قياسٍ أصلٌ، وليس كلُّ أصلٍ قياساً.
 
فما خالفَ القياسَ قد خالفَ أصلاً، وما خالفَ الأصولَ يجوزُ أن يكونَ مخالفاً لقياسٍ أو نصٍّ أو إجماعٍ أو استدلالٍ أو استصحابٍ أو استحسانٍ أو غير ذلك.
 
فقد يكون الخبرُ مخالفاً للقياسِ موافقاً لبعضِ الأصولِ، وقد يكونُ بالعكس؛ كانتقاضِ الوضوءِ بالنومِ؛ موافقٌ للقياسِ من أنَّهُ تعليقُ الحكمِ بمظنَّتهِ كسائرِ الأحكامِ المعلَّقةِ بمظانِّها، وهو مخالفٌ لبعضِ الأصولِ، وهو الاستصحابُ، إذ الأصلُ عدمُ خروجِ الحدَث.
 
وقد يكون مخالفاً لهما جميعاً كخَبَر المصَرَّاة؛ فإنَّ القياسَ كما دلَّ على ضمانِ الشيءِ بمثْلِه؛ كذلك النصُّ والإجماعُ دلَّا على ذلك.
 
وقد يكونُ موافقاً لهما كالآثارِ الواردةِ في تحريمِ النَّبِيذ؛ موافقةً لقياسِه على الخمرِ، والنصِّ، والإجماعِ على تحريمِها، والنصِّ على تحريم كلِّ مُسْكرٍ.
 
وَقَالَ أَيْضَاً فِيْ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ، مِنْ مَبْحَثَ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِياسِ، مِنْ مَبَاحِثِ الْقِيَاسِ:
وإمَّا أن يكونَ الجوابُ، بأن يبيِّن المستدلُّ أنَّ ما ذكَره من القياس يستحقُّ التقديمَ على ذلك النصِّ؛ لكونِه حنفيَّاً يرى تقديمَ القياسِ على النصِّ الذي أبداه المعترضُ؛ إما لكوْنِ النصِّ ضعيفاً فيكونُ القياسُ أولى منه، أو لكوْن النصِّ عامَّاً فيكونُ القياسُ مخصِّصاً له جمْعاً بين الدليلين، أو لكوْنِ مذهبِ المستدلِّ يقتضي تقديمَ القياسِ على الخبر إذا خالفَ الأصولَ أو فيما تعمُّ به البلْوَى. ومالكٌ يرى تقديم القياس على الخبر إذا خالفه خبرُ الواحد.
 
وبالجملة للمستدلِّ الاعتراضُ على النصِّ الذي يُبديهِ المعترضُ بجميع ما يُعترضُ به على النصوص سنداً ومتناً. اهـ.
 
وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْأُصُولِ فِيْ نَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ: إذا رأيتَ الحديث يُبايِنُ المعقولَ، أو يُخَالِفُ المنقولَ، أو يُناقِضُ الأصولَ، فاعلَمْ أنَّهُ موضوعٌ.
 
فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ومعنى مناقضتِه للأصولِ أنْ يكونَ خارجاً عن دواوينِ الإسلامِ؛ من المسانيدِ والكُتبِ المشهورةِ.
 
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مُخَالَفةَ الْأُصُولِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ... وَأنَّهُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَالتَّعْلِيلِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَغَالِبَاً مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيْ النُّصُوصِ الْمُخَالِفَةِ لِلْقِيَاسِ، فَيَجْعلُونَ النُّصُوصَ فِيْ مُقَابَلَةِ الْأُصُولِ، وَأَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى النَّصِّ بِكَوْنِهِ مُخَالِفَاً لِبَعْضِ الْأُصُولِ، كَالْقِيَاسِ مَثَلَاً، إِذْ هُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ، كما يعترض المحدِّثُ على تصحيح الحديث بعلَّةٍ خفيَّةٍ فيه!