أثر السياق في حمل المطلق على المقيد

• إذا ورد النص مطلقًا في سياقٍ، وورَد نفسُه مقيدًا في سياق آخر، فإن للسياق أثرًا في تقييد المطلق وحملِه على المقيد؛ فالسياقُ يدلُّنا على ما تنطوي عليه الألفاظ من أحكام، وفي حالة اتفاق الخطاب المطلق، والخطاب المقيد في الحكم والسبب، فإنه يُحمَل المطلق على المقيد، وهذه الصورة محلُّ اتفاق بين الأصوليين.
 
• ومما يورَد هنا للاستشهاد حُكمُ طواف القُدوم؛ فقد ذهب الإمام مالك إلى وجوب طواف القدوم، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29]؛ فقد أمر بالطَّواف بالبيت، فدلَّ على الوجوب والفرضيَّة[1].
 
بينما قال الجمهور بسُنِّية طواف القُدوم، وأنه لا حجَّة للقائلين بوجوبه[2]، واستدلوا بدلالة السِّياق في الآيات على أن المرادَ بالطواف هنا طوافُ الإفاضة؛ فالله سبحانه أمر بذبح الهدايا بقوله: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28]، وأمر بقضاء التَّفَثِ - وهو الحَلْق - والطواف بالبيت عَقِيب ذبح الهَدْي؛ لأن كلمة (ثُم) تفيد الترتيب مع التعقيب، فيقتضي أن يكون الحَلْق والطواف مرتَّبين على الذبح، والذبح يختص بأيام النَّحر، ولا يجوز قبلها، وكذا الحَلْق والطواف، وهو طواف الإفاضة، فأما طواف القدوم، فإنه يكون سابقًا على أيام النحر، فثبت أن المراد من الآية طوافُ الإفاضة.



[1] بداية المجتهد؛ لابن رشد (2/666)، والجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي (12 /50-51)، ونيل الأوطار؛ للشوكاني (3 /366-368).


[2] أحكام القرآن؛ لابن العربي (3 /213)، والمغني؛ لابن قدامة (5 /314-316).