عمل أهل المدينة عند مالك، وهل ينزل منزلة الإجماع؟

نُسِب إلى الإمام مالك أنه يرى أن إجماع أهل المدينة ينزل منزلة الإجماع المقطوع به، الذي لا تجوز مخالفته.

قال البزدوي: "نُقل عن مالك - رحمه الله - أنه قال: أهل المدينة إذا أجمعوا على شيء لم يعتدَّ بخلاف غيرهم"[1].

وقال الجصاص: "(زعم قومٌ) من المتأخرين: أن إجماع أهل المدينة لا يسوغ لأهل سائر الأعصار محالفتهم فيما أجمعوا عليه[2].

وجاء في المسودة: "حُكي عن مالك أنه قال: إذا أجمع أهل المدينة على شيء صار إجماعًا مقطوعًا عليه، وإن خالفهم فيه غيرهم"[3].
 
وقد استدل لهذه الدعوى بعدد من الأدلة، منها:
أولاً: بالآثار التي جاءت في المدينة؛ كقوله عليه السلام: ((إن المدينةَ طيبة تنفي خبثها، كما ينفي الكِير خبَث الحديد))، والخطأ من الخبث، فكان منفيًّا عنها.

وقال عليه السلام: ((إن الإسلامَ ليأرِزُ إلى المدينة، كما تأرِزُ الحيةُ إلى جُحرها)).

وقال عليه السلام: ((لا يكايد أحدٌ أهلَ المدينة إلا انماع كما ينماع المِلح في الماء)).

مناقشة الدليل الأول:
والاستدلال بهذا ضعيف لأهل الحمل على الخطأ متعذر؛ لأنا نشاهد صدور الخطأ من بعض سكانها، وكونها من أشرف البقاع لا يوجب عصمةَ ساكنيها[4].

قال إمام الحرمين: ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابَتَيْها من المخازي لقضى العجب[5].

قال الشيرازي: على أن قوله: (المدينة تنفي خبثها) عام في الخطأ وغيره، ونحمله على غير الخطأ[6]، والجواب عن باقي النصوص كالجواب عن النص الأول.

ثانيًا: أن المدينة دار هجرة النبي عليه السلام، وموضع قبره، ومهبط الوحي، ومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول أهلها[7].
 
مناقشة الدليل الثاني:
ولكن لا يدل ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها؛ فإن مكة مع اشتمالها على البيت والمقام وزمزم والصفا والمروة ومواضع المناسك، وكونها مولد النبي، ومنشأ إسماعيل، ومنزل إبراهيم عليهما السلام لا يكون إجماع أهلها حجة، ولم يذهب إليه أحد، فعرفنا أنه لا أثر للبقاع في ذلك، بل الاعتبار لعلم العلماء، واجتهاد المجتهدين، ولو كانوا في دار الحرب مثلاً، قال السمعاني: وكما أن المدينة كانت مجمع الصحابة ومهبط الوحي، فقد كانت دار المنافقين، ومجمع أعداء الدِّين[8].

ثالثًا: أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرفَ بأحوال الرسول من غيرهم؛ فوجب ألا يخرج الحق عنهم[9].
 
مناقشة الدليل الثالث:
أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين من أهل الحَل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم؛ فإنهم كانوا منتشرين في البلاد، متفرقين في الأمصار، وكلهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء[10].



[1] كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعلاء الدين البخاري ت: عبدالله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية ط1 (3/ 357 الشاملة).


[2] الفصول في الأصول الإمام أحمد بن علي الرازي الجصاص ت: د. عجيل جاسم النشمي. وزارة الأوقاف دولة الكويت ط1 (3/ 321 الشاملة).


[3] المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، المدني - القاهرة، ت: محمد محيي الدين عبدالحميد.


[4] الإبهاج في شرح المنهاج لعلي بن عبدالكافي السبكي دار الكتب العلمية - بيروت ط1 (2/ 365 الشاملة).


[5] نهاية السول شرح منهاج الوصول للإمام جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان ط1 (2/ 91 الشاملة).


[6] التبصرة في أصول الفقه لإبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي الشيرازي، دار الفكر - دمشق ط1 (1/ 366 الشاملة).


[7] الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن محمد الآمدي، أبي الحسن، دار الكتاب العربي - بيروت ط1، ت: د. سيد الجميلي (1/ 303 الشاملة).


[8] كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي (3/ 359 الشاملة).


[9] الإحكام في أصول الأحكام الآمدي (1/ 303 الشاملة).


[10] المصدر السابق (1/ 304 الشاملة).