أثر السياق في دلالة الأمر الوارد بعد الحظر
اختلف الأصوليُّون في دلالة الأمر الوارد بالفعل، بعد النهي عن إتيان هذا الفعل، هل تُحمل على الوجوب، أو على الندب، أو على الإباحة؟ كما في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الجمعة: 10] بعد قوله تعالى: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ [الجمعة: 9]، وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 222] بعد قوله تعالى: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 222]، وغيرها من الشواهد.
• وقد ذهب أكثرُ الأصوليين إلى أن الأمرَ الوارد بعد الحظر حُكمُه حُكمُ ما كان قبل الحظر[1]؛ وذلك لِما نص عليه المحقِّقون من أن تتبُّع سياقات النصوص، والوقوف على قرائن السياق المقاليَّة والحاليَّة المحتفَّة بالأوامر الواردة بعد الحظر - يدلُّ على أن حُكم المأمور بها هو الحُكم الذي كان ثابتًا لها قبل ورود الحظر[2].
فتبيَّن بهذا التقرير مدى استثمارِ الأصوليين لدلالة السياق في الكشفِ عن مراد الله تعالى ومراد رسولِه صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك من خلال استقراء النُّصوص، ومطالعة مَساقَاتِها المختلفة، وَفْق الضوابط العامة للاستدلال بالسياق.
• ومن ذلك حُكم الصيد بعد الإحرام في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].
فقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ يعني إن شئتم فاصطادوا بعد تحلُّلِكم، فلا يدل هذا الأمر على وجوب الاصطياد عند الإحلال، ويدلُّ على ذلك الاستقراء في القرآن؛ فإن كلَّ شيء كان جائزًا ثم حُرِّم لموجب، ثم أُمِر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز، نحو قوله هنا: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾، وقوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الجمعة: 10]، وقوله: ﴿ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 187]، وقوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 222].
أما قتال المُعتدِين والمحاربين للإسلام بعد النهيِ عن القتال في الأشهر الحرم، الواردِ في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ [التوبة: 5] - فهو يُفيدُ الوجوبَ؛ لأن قتالَهم كان واجبًا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الحرم.
وبهذا تعلم أن التحقيقَ الذي دل عليه الاستقراء التامُّ في القرآن أن الأمرَ بالشيء بعد تحريمه يدلُّ على رجوعِه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحةٍ أو وجوب؛ فالصيدُ قبل الإحرام كان جائزًا فمُنِع للإحرام، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾، فيرجع لِما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتالُ المشركين كان واجبًا قبل دخول الأشهر الحرم، فمُنِع من أجلها، ثم أُمِر به بعد انسلاخها، فيرجع لِما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب.
[1] المسوَّدة؛ لآل تيمية (1 /106)، وشرح الكوكب المنير؛ لابن النجار (3 /60).
[2] تفسير ابن كثير (2 /8)، وتفسير النصوص (2 /372-373).
أثر السياق في دلالة الأمر الوارد بعد الحظر
جاري تجهيز الصوت…
أثر السياق في دلالة الأمر الوارد بعد الحظراختلف الأصوليُّون في دلالة الأمر الوارد بالفعل، بعد النهي عن إتيان هذا الفعل، هل تُحمل على الوجوب، أو على الندب، أو على الإباحة؟ كما في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الجمعة: 10] بعد قوله تعالى: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ [الجمعة: 9]، وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 222] بعد قوله تعالى: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 222]، وغيرها من الشواهد. • وقد ذهب أكثرُ الأصوليين إلى أن الأمرَ الوارد بعد الحظر حُكمُه حُكمُ ما كان قبل الحظر[1]؛ وذلك لِما نص عليه المحقِّقون من أن تتبُّع سياقات النصوص، والوقوف على قرائن السياق المقاليَّة والحاليَّة المحتفَّة بالأوامر الواردة بعد الحظر - يدلُّ على أن حُكم المأمور بها هو الحُكم الذي كان ثابتًا لها قبل ورود الحظر[2]. فتبيَّن بهذا التقرير مدى استثمارِ الأصوليين لدلالة السياق في الكشفِ عن مراد الله تعالى ومراد رسولِه صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك من خلال استقراء النُّصوص، ومطالعة مَساقَاتِها المختلفة، وَفْق الضوابط العامة للاستدلال بالسياق. • ومن ذلك حُكم الصيد بعد الإحرام في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]. فقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ يعني إن شئتم فاصطادوا بعد تحلُّلِكم، فلا يدل هذا الأمر على وجوب الاصطياد عند الإحلال، ويدلُّ على ذلك الاستقراء في القرآن؛ فإن كلَّ شيء كان جائزًا ثم حُرِّم لموجب، ثم أُمِر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز، نحو قوله هنا: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾، وقوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الجمعة: 10]، وقوله: ﴿ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 187]، وقوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 222]. أما قتال المُعتدِين والمحاربين للإسلام بعد النهيِ عن القتال في الأشهر الحرم، الواردِ في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ [التوبة: 5] - فهو يُفيدُ الوجوبَ؛ لأن قتالَهم كان واجبًا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الحرم. وبهذا تعلم أن التحقيقَ الذي دل عليه الاستقراء التامُّ في القرآن أن الأمرَ بالشيء بعد تحريمه يدلُّ على رجوعِه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحةٍ أو وجوب؛ فالصيدُ قبل الإحرام كان جائزًا فمُنِع للإحرام، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾، فيرجع لِما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتالُ المشركين كان واجبًا قبل دخول الأشهر الحرم، فمُنِع من أجلها، ثم أُمِر به بعد انسلاخها، فيرجع لِما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب.[1] المسوَّدة؛ لآل تيمية (1 /106)، وشرح الكوكب المنير؛ لابن النجار (3 /60).[2] تفسير ابن كثير (2 /8)، وتفسير النصوص (2 /372-373).