أثر السياق في قصر العام على مقصوده
 
• خطاب الشارع إذا ورد عامًّا، لكن لمقصودٍ ما، هل يسوغ الاستدلال به في غير ما سِيق لأجله مما يتناوله الخطاب وضعًا؟
 
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]، فهل يصحُّ الاحتجاج به على جواز بيع كلِّ شيء؟ أم يقال: إن الآيةَ سِيقت لبيان الفَرْق بين البيع والرِّبا، وأن أحدهما حلال والآخر حرام، ولم يقصد بها بيان ما يجوز وما لا يجوز؟[1]
 
وقد ورد في هذه المسألة قولان:
القول الأول: الخطاب العام يُقصَر على مقصوده، ولا يستدل به فيما عدا ذلك إلا بدليل، وهو مذهبُ بعض الأصوليين.
القول الثاني: الخطاب العام يجري على عمومه، ولا يُقصَر على مقصوده إلا بدليل، وهو مذهب أكثر الأصوليين[2].
 
• ومن الأمثلة الفقهية مسألة نجاسة الدم، فعلى حين ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الدم مطلقًا، ذهبت طائفةٌ إلى طهارته، إلا دم الحيض[3].
 
حيث دار الخلافُ حول حديث عائشة أنها قالت: جاءت امرأة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إني امرأةٌ أُستَحاضُ فلا أطهُرُ، أفأدَعُ الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا، إنما ذلكِ عِرقٌ، وليس بحيض، فإذا أقبلتْ حيضتُك فدَعِي الصلاة، وإذا أدبَرَتْ فاغسِلي عنك الدَّمَ، ثم صلِّي))[4].
 
والشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فاغسِلي عنك الدمَ))؛ فهو دليل على نجاسة دمِ الحيضِ بلا نزاع، لكن هل يحتج بعمومه على نجاسة أنواع الدماء الأخرى؟ أم يقال: إن الحديث سِيق لبيان نجاسة الدم، وأنه مانعٌ من الصلاة، ولم يقصدْ فيه نجاسة سائر الدماء؟
 
ذهب الجمهورُ إلى أن قوله فيه: (الدم) على العموم، حتى إن ابنَ حزمٍ يرى أن ذلك يشمل جميعَ الدماءِ من الإنسانِ والحيوان.
 
يقول: هذا عمومٌ منه صلى الله عليه وآله وسلم لنوع الدمِ، ولا نبالي بالسؤال إذا كان جوابه عليه السلام قائمًا بنفسه، غير مردود بضمير إلى السؤال.
 
بينما ذهب بعضُ الفقهاء إلى أن الأظهر أنه يريد دم الحيض حسبما يدل عليه السياق...، مع استصحاب أن الأصلَ الطَّهارة، فلا يترك هذا إلا بنص صحيح يجوز به ترك الأصل، وإذ لم يرد شيءٌ من ذلك، فالبقاء على الأصل هو الواجب[5].
 
فيتبيَّنُ بدلالة السياق في هذا الحديث أن نجاسةَ الدمِ محصورةٌ في دمِ الحيض دون غيره من الدماء؛ لأن العمومَ فيه سِيقَ لغرض، فقُصِر على غرضه.



[1] دلالة السياق، بحث للشيخ د. خالد العروسي ص (21).


[2] الإحكام؛ للآمدي (2/342 - 343).


[3] أحكام القرآن؛ لابن العربي (1 /86)، وبداية المجتهد؛ لابن رشد (1 /157)، وشرح النووي على مسلم (13 /19)، والمحلَّى؛ لابن حزم (1 /90).


[4] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، حديث (228)، وبفتح الباري (1 /432).


[5] المحلى؛ لابن حزم (1 /90).