معنى المشقة عند الأصوليين والفقهاء


معنى القاعدة وأدلتها الشرعية:
القاعدة في اللغة: هي الأساس[1]؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾ [البقرة: 127]، وعرَّفها الفقهاء بأنها حُكم كلي ينطبق على معظم جزئياته، والقاعدة تجمع الفروعَ من أبواب شتى، وهي بهذا تختلف عما يسمُّونه (الضابط)؛ أي: ما جمع الفروع من باب واحد فقط.
 
وبالرجوع إلى قواميس اللغة، نجد أنها تفيد بأن معنى المشقة: الضِّيق والحرج والصعوبة، يقال: هم بشق من العيش، إذا كانوا في جَهد.
 
ومعنى تجلب: تطلب، يقال: يجلبه جلبًا، سامه، واستجلبه: طلب أن يجلب له، ومعنى التيسير: السهولة، ضد العُسر[2].
 
وعلى هذا تفيد القاعدة أن الصعوبة تصير سببًا للتسهيل، ويلزم التوسع في وقت الضيق[3].
 
تحديد معنى المشقة عند الأصوليين والفقهاء:
المقصود بالمشقة هنا، ليس المعنى المطلَق الذي ورد في قواميس اللغة، وإنما المشقة المقيدة بشرط، وهو تجاوز الحدود العادية، والتي لا يستطيع المكلَّف بسببها الدوامَ على العمل، أما المشقة المعتادة، فلا تكون سببًا للتخفيف، وفي ذلك قول ابن نجيم:
(المشاقُّ على قسمين: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالبًا؛ كمشقة البرد في الوضوء والغُسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحد ورجم الزنا، وقتل الجناة، وقتال البغاة، فلا أثر لها في إسقاط العبادات في كل الأوقات.. ومشقة عظيمة فادحة؛ كمشقة الخوف على النفوس والأطراف، ومنافع الأعضاء؛ فهي موجبة للتخفيف)[4].
 
ويقول الشاطبي: (إن كان العملُ يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه، أو إلى وقوع خلَل في صاحبه، في نفسه أو ماله، أو حال من أحواله، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيءٌ من ذلك في الغالب، فلا يُعَدُّ في الغالب مشقة، وإن سميت كلفة)[5].
 
ويقول عزُّ الدين بن عبدالسلام في تحديد المشقة الموجبة للترخيص: (مشقة عظيمة فادحة؛ كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف، ومنافع الأطراف؛ فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص؛ لأن حفظ المهج والأطراف لإقامة مصالح الدارين أَولى من تعريضها للفوات في عبادة، أو عبادات، ثم تفوت أمثالها)[6].
 
ويقول الأستاذ وهبة الزحيلي: (المشقة غير المعتادة: هي المشقة الزائدة التي لا يتحملها الإنسان عادة، وتفسد على النفوس تصرفاتها، وتخلُّ بنظام حياتها، وتعطل عن القيام بالأعمال النافعة غالبًا، وهذا لا مانع من التكليف بها عقلًا، ولكن لم يقع شرعًا؛ لأن الله تعالى لم يقصِدْ إلى التكليف بالشاق، والإعنات فيه؛ كالوِصال في الصيام، والمواظبة على قيام الليل)[7].



[1] الرازي، مختار الصحاح، المكتبة الأموية، دمشق 1980: (ص113).


[2] الفيروز آبادي، القاموس المحيط، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث، بيروت 1992م، (ج3، ص364).


[3] د. صبحي المحمصاني، فلسفة التشريع، دار العلم للملايين، بيروت: (ص298).


[4] ابن نجيم، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت 1980م: (ص82).


[5] الشاطبي، الموافقات، دار المعرفة: بيروت (ج2، ص132).


[6] العز بن عبدالسلام، قواعد الأحكام، الطبعة الثانية، دار الجيل، بيروت 1980م، (ج2، ص10).


[7] أ.د. وهبة الزحيلي، نظرية الضرورة، مرجع سابق (ص199).