نشأة القواعد الفقهية وتدوينها
وضع اللبنة الأولى للقواعد صاحب الشرع سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بجوامع الكلم التي أعطي، فنجد قوله:
((لا ضرَرَ، ولا ضرار)).
((العاريَّة مؤداة)).
((الخراج بالضمان)).
((البينة على المدعي، واليمين على مَن أنكر)).
من القواعد الفقهية الباقية إلى اليوم، كما قاله صلى الله عليه وسلم.
فبعد عصر الرسالة نجد في "كتاب الخراج" للإمام أبي يوسف[1] رحمه الله كثيرًا من القواعد، مثل: كل من مات لا وارث له، فماله لبيت المال.
واقتدى به الإمام محمد بن الحسن الشيباني[2] رحمة الله عليه في الأصل، والإمام الشافعي[3] رحمه الله في "الأم"، ولكن أمر القواعد لا يختلف عن أصول الفقه بكثير؛ حيث وضع هؤلاء الجهابذةُ بعد تعمُّقِ وتدبر غرضِ الشارع أساسَ هذا العلم، ثم جاء المتأخرون فهذبوه ونقَّوه، وجعلوه علمًا وفنًّا مستقلاًّ.
وقد سبق الحنفية في تدوين هذا الفن الشريف، كما لهم الشرف الأكبر في تدوين الفقه، وللإمام الشافعي رحمه الله في تدوين أصول الفقه.
رُوي أن الإمام أبا طاهر الدباس رحمه الله قد جمع مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله في سبع عشرة قاعدة كلية، وأخفاها عن الناس، وكان أبو طاهر رحمة الله عليه ضريرًا، يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس.
فلما علم عنها أبو سعيد الهروي، ارتحل إليه، واختفى في المسجد، فلما ظن أبو طاهر الدباس أن الناس خرجوا من المسجد، بدأ يكرر القواعد، وهي:
1- الأمور بمقاصدها.
2- اليقين لا يزول بالشك.
3- المشقة تجلب التيسير.
4- الضرر يزال.
5- العادة محكمة.
فلما انتهى إلى القاعدة الخامسة عرضت للهروي سعلة، فقام الدباس وضربه وأخرجه من المسجد، فجاء الهروي فألقاه إلى أصحابه، ويمكن أن الإمام الكرخي رحمه الله (م 340هـ ) الذي هو من أقران الإمام أبي طاهر، اقتبس منه بعض القواعد، الذي هو من أقران الإمام أبي طاهر فزاد الكرخي عليها إحدى وثلاثين قاعدة، فظهر أول تأليف في القواعد الفقهية، هذا ويبدو أن العلماء في ذلك القرن اشتغلوا بجمع وصياغة القواعد الفقهية.
والدليل على ذلك أننا نجد في نفس العصر عالِمًا من علماء المالكية، وهو الإمام محمد بن حارث الخشيني المالكي (م 361هـ )، ألف في هذا الموضوع كتابًا، سماه: (أصول الفتيا).
ثم كتب الإمام أبو زيد الدبوسي (م 430هـ ) كتاب: "تأسيس النظر"، وأضاف فيه إضافات قيمة، ثم تتابع العلماء في الكتابة في هذا الفن، منهم:
1- الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي (م 540هـ ) "إيضاح القواعد".
2- الإمام محمد بن إبراهيم الجاجرمي (م 613هـ ) "القواعد في فروع الشافعية".
3- الإمام عز الدين بن عبدالسلام (م 660هـ ) "قواعد الأحكام في مصالح الأنام".
4- العلامة محمد بن عبدالله البكري (م 685هـ ) "المهذب في ضبط قواعد المذهب".
5- محمد بن عمر بن مكي بن الوكيل الشافعي (م 716هـ ) "الأشباه والنظائر".
6- محمد بن محمد بن أحمد المقري المالكي "القواعد".
7- خليل بن كيكلدي العلائي (861 هـ ) "المجموع المهذب في قواعد المذهب".
8- تاج الدين السبكي (م 771هـ ) "الأشباه والنظائر".
9- جمال الدين الإسنوي (م 772هـ ) "الأشباه والنظائر".
10- محمد بن بهادر، بدر الدين الزركشي (م 795هـ ) "القواعد في الفروع".
وهذا الكم الهائل الواصل إلينا من كتب القواعد، يوحي بأنه اكتمل هذا الفن في تلك القرون، ومما لا شك فيه أنه لا بد أن تكون هناك مئات من المؤلفات التي لم تصلنا، ثم العلماء والفقهاء أخذوا يكتبون في هذا الفن كغيره من العلوم والفنون الإسلامية.
[1] يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي، البغدادي، أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كما كان فقيهًا علامة من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة، وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة، ولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته عام 128هوهو على القضاء، وأول من دعي ب: "قاضي القضاة"، وأول من وضع الكتاب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب.
ومن كتبه: الخراج، الآثار، والنوادر، واختلاف الأمصار، وغيرها، ولد عام 113هـ، وتوفي 182هـ؛ انظر: الأعلام للزركلي (8/ 193).
[2] هو محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبدالله، إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، أصله من قرية "حرستة" في غوطة بدمشق، ولد ب: "واسط"، ونشأ بالكوفة، فسمع من أبي حنيفة، غلب عليه مذهبه، عُرف به، وانتقل إلى بغداد، فولاه الرشيد القضاء بالرقَّة ثم عزله، ولما خرج الرشيد إلى خراسان صحبه، فمات في "الري"، قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو أني أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت: لفصاحته، له كتب كثيرة في الفقه والأصول، منها: المبسوط، الزيادات، الجامع الصغير، الجامع الكبير، وغيرها، ولد عام 131هـ، وتوفي 189م؛ انظر: الأعلام للزركلي: (6/ 80).
[3] محمد بن إدريس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، ولد في غزة بفلسطين عام 150هـ، حُمِل منها إلى مكة وهو ابن سنتين، وزار بغداد مرتين، وقصد مصر سنة 199هـ، وتوفي بها عام 204هـ، وقبره معروف في القاهرة، أشهر كتبه: الأم، جمعه البويطي، وبوبه الربيع بن سليمان، ومن كتبه: "المسند"، و"أحكام القرآن"، و"الرسالة"، وغيرها؛ انظر: الأعلام للزركلي: (6/ 26).
نشأة القواعد الفقهية وتدوينها
جاري تجهيز الصوت…
نشأة القواعد الفقهية وتدوينهاوضع اللبنة الأولى للقواعد صاحب الشرع سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بجوامع الكلم التي أعطي، فنجد قوله:((لا ضرَرَ، ولا ضرار)).((العاريَّة مؤداة)).((الخراج بالضمان)).((البينة على المدعي، واليمين على مَن أنكر)). من القواعد الفقهية الباقية إلى اليوم، كما قاله صلى الله عليه وسلم. فبعد عصر الرسالة نجد في "كتاب الخراج" للإمام أبي يوسف[1] رحمه الله كثيرًا من القواعد، مثل: كل من مات لا وارث له، فماله لبيت المال. واقتدى به الإمام محمد بن الحسن الشيباني[2] رحمة الله عليه في الأصل، والإمام الشافعي[3] رحمه الله في "الأم"، ولكن أمر القواعد لا يختلف عن أصول الفقه بكثير؛ حيث وضع هؤلاء الجهابذةُ بعد تعمُّقِ وتدبر غرضِ الشارع أساسَ هذا العلم، ثم جاء المتأخرون فهذبوه ونقَّوه، وجعلوه علمًا وفنًّا مستقلاًّ. وقد سبق الحنفية في تدوين هذا الفن الشريف، كما لهم الشرف الأكبر في تدوين الفقه، وللإمام الشافعي رحمه الله في تدوين أصول الفقه. رُوي أن الإمام أبا طاهر الدباس رحمه الله قد جمع مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله في سبع عشرة قاعدة كلية، وأخفاها عن الناس، وكان أبو طاهر رحمة الله عليه ضريرًا، يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس. فلما علم عنها أبو سعيد الهروي، ارتحل إليه، واختفى في المسجد، فلما ظن أبو طاهر الدباس أن الناس خرجوا من المسجد، بدأ يكرر القواعد، وهي:1- الأمور بمقاصدها.2- اليقين لا يزول بالشك.3- المشقة تجلب التيسير.4- الضرر يزال.5- العادة محكمة. فلما انتهى إلى القاعدة الخامسة عرضت للهروي سعلة، فقام الدباس وضربه وأخرجه من المسجد، فجاء الهروي فألقاه إلى أصحابه، ويمكن أن الإمام الكرخي رحمه الله (م 340هـ ) الذي هو من أقران الإمام أبي طاهر، اقتبس منه بعض القواعد، الذي هو من أقران الإمام أبي طاهر فزاد الكرخي عليها إحدى وثلاثين قاعدة، فظهر أول تأليف في القواعد الفقهية، هذا ويبدو أن العلماء في ذلك القرن اشتغلوا بجمع وصياغة القواعد الفقهية. والدليل على ذلك أننا نجد في نفس العصر عالِمًا من علماء المالكية، وهو الإمام محمد بن حارث الخشيني المالكي (م 361هـ )، ألف في هذا الموضوع كتابًا، سماه: (أصول الفتيا). ثم كتب الإمام أبو زيد الدبوسي (م 430هـ ) كتاب: "تأسيس النظر"، وأضاف فيه إضافات قيمة، ثم تتابع العلماء في الكتابة في هذا الفن، منهم:1- الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي (م 540هـ ) "إيضاح القواعد".2- الإمام محمد بن إبراهيم الجاجرمي (م 613هـ ) "القواعد في فروع الشافعية".3- الإمام عز الدين بن عبدالسلام (م 660هـ ) "قواعد الأحكام في مصالح الأنام".4- العلامة محمد بن عبدالله البكري (م 685هـ ) "المهذب في ضبط قواعد المذهب".5- محمد بن عمر بن مكي بن الوكيل الشافعي (م 716هـ ) "الأشباه والنظائر".6- محمد بن محمد بن أحمد المقري المالكي "القواعد".7- خليل بن كيكلدي العلائي (861 هـ ) "المجموع المهذب في قواعد المذهب".8- تاج الدين السبكي (م 771هـ ) "الأشباه والنظائر".9- جمال الدين الإسنوي (م 772هـ ) "الأشباه والنظائر".10- محمد بن بهادر، بدر الدين الزركشي (م 795هـ ) "القواعد في الفروع". وهذا الكم الهائل الواصل إلينا من كتب القواعد، يوحي بأنه اكتمل هذا الفن في تلك القرون، ومما لا شك فيه أنه لا بد أن تكون هناك مئات من المؤلفات التي لم تصلنا، ثم العلماء والفقهاء أخذوا يكتبون في هذا الفن كغيره من العلوم والفنون الإسلامية.[1] يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي، البغدادي، أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كما كان فقيهًا علامة من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة، وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة، ولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته عام 128هوهو على القضاء، وأول من دعي ب: "قاضي القضاة"، وأول من وضع الكتاب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب.ومن كتبه: الخراج، الآثار، والنوادر، واختلاف الأمصار، وغيرها، ولد عام 113هـ، وتوفي 182هـ؛ انظر: الأعلام للزركلي (8/ 193). [2] هو محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبدالله، إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، أصله من قرية "حرستة" في غوطة بدمشق، ولد ب: "واسط"، ونشأ بالكوفة، فسمع من أبي حنيفة، غلب عليه مذهبه، عُرف به، وانتقل إلى بغداد، فولاه الرشيد القضاء بالرقَّة ثم عزله، ولما خرج الرشيد إلى خراسان صحبه، فمات في "الري"، قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو أني أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت: لفصاحته، له كتب كثيرة في الفقه والأصول، منها: المبسوط، الزيادات، الجامع الصغير، الجامع الكبير، وغيرها، ولد عام 131هـ، وتوفي 189م؛ انظر: الأعلام للزركلي: (6/ 80).[3] محمد بن إدريس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، ولد في غزة بفلسطين عام 150هـ، حُمِل منها إلى مكة وهو ابن سنتين، وزار بغداد مرتين، وقصد مصر سنة 199هـ، وتوفي بها عام 204هـ، وقبره معروف في القاهرة، أشهر كتبه: الأم، جمعه البويطي، وبوبه الربيع بن سليمان، ومن كتبه: "المسند"، و"أحكام القرآن"، و"الرسالة"، وغيرها؛ انظر: الأعلام للزركلي: (6/ 26).