كلمة الشيخ مفتي محمد ظفير الدين
عن كتاب القواعد الفقهية المحمودة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الفقهاء - رحمهم الله - لما دوَّنوا الفقه من كتاب الطهارة إلى الميراث، بدأ المتأخرون يتفكرون في خدمة التراث الفقهي الإسلامي الذي تركه المتقدمون، وشاء الله - سبحانه - أن يكون في كل مذهب فقهي جماعة متخصصة لخدمة الفقه، فقامت جماعة بتخريج الأحاديث والآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين في كل باب من أبواب الفقه، فجمعوها ودونوها، وقامت جماعة بتخريج المسائل الفقهية حسب الأصول التي تركها لهم سلَفهم الصالح، كما قامت جماعة ببحث العلل والروابط بين المسائل الشرعية، وصياغتها بعبارات موجزة جامعة مانعة، التي اشتهرت فيما بعد بـ: "قواعد الفقه".
 
إننا نجد القواعد الفقهية في كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل:
((إنما الأعمال بالنيات)).
((لا ضرَرَ ولا ضرار)).
((الخَراج بالضمان)).
((البيِّنة على المدعِي، واليمين على من أنكر)).
((العاريَّة مؤداة)).
 
وكذلك نجد القواعد في كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله - (م 189هـ)، صاحب أبي حنيفة، كما نرى الإمام محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - (م 204هـ) يذكر الفروع في كتابه الجليل، ثم يتبع القاعدة الفقهية ما يفيد بأنه استنبط القاعدة من النصوص ثم استخدمها كأصل من الأصول الشرعية.
 
فكذلك يروى عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - (م 241هـ) عبارات تدل على أنه يستعملها كأصل من الأصول الفقهية الثابتة عنده.
 
ويجد طالب العلم في كتاب "التمهيد" لأبي عمرو القرطبي المالكي (م 464هـ) قواعد كثيرة، ما يثبت بأن الأئمة وأتباعهم ينظرون إلى القواعد الفقهية بعناية بالغة.
 
وأول من قام بجمع القواعد هو الإمام أبو طاهر محمد بن محمد سفيان الدباس الحنفي، من علماء ما وراء النهر، من سكان قرية "دبوسية"، فجمع أهم قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - (م 150هـ - )[1] في سبع عشرة قاعدة، وأخفاها عن الناس، وكان - رحمه الله - ضريرًا، يكرر كل ليلة تلك القواعد في مسجده، فلما علم عن تلك القواعد الشيخ أبو سعد الشافعي ارتحل إليه، واستمع منه بعض القواعد مختفيًا، ثم جاء إلى أصحابه فألقى إليهم، وبعد ذلك بدأ التأليفات في هذا الفن الشريف المبارك، حتى انتشر هذا العلم كغيره من العلوم الإسلامية، فلا يبقى من المذاهب الفقهية مذهب إلا وفيه كتب قواعد الفقه من سلفهم الصالح.
 
وممن اشتهرت كتبهم بين طلبة العلم في عصرنا: الإمام جلال الدين السيوطي (م 911هـ)، والعلامة ابن نجيم (م 970هـ) رحمهما الله.
 
وكان بودِّي أن يكون هناك كتاب سهل للصغار، يُقتصَر فيه على القاعدة والدليل، والأمثلة البسيطة، فجاء كتاب ابني أبي الكلام محمد شفيق خان - القواعد الفقهية المحمودة - محمودًا حسب ما أحببت.
 
أسأل الله سبحانه أن يرزقه القبول، ويبارك في جهد مؤلفه؛ إنه سميع مجيب.
 
هذا وأرجو من أهل العلم إدراج هذا الكتاب القيم المفيد في المناهج الدراسية؛ كي يستفيد أبناؤنا الطلبة من الفقه الإسلامي على بصيرة.
 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



[1] وكان قوي الحجة، من أحسن الناس منطقًا، وكان كريمًا في أخلاقه، جوَادًا، حسن المنطق والصورة، جهوري الصوت، إذا حدث انطلق في القول، وكان لكلامه دوي، توفي - رحمة الله تعالى عليه - عام 150هـ في رجب، وقيل: شعبان، وقيل: نصف شوال؛ انظر: الأعلام للزركلي: 8/ 36، وأوجز المسالك إلى موطأ مالك: 1/ 54.