تقديم لكتاب: القواعد الفقهية المحمودة
تأليف: أبي الكلام شفيق القاسمي المظاهري

مقدمة المؤلف:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سار على نهجه ودعا بدعوته واقتدى بهديه وبعد:
لما كنت طالبًا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في كلية الشريعة خطر ببالي أن يكون عندنا – في الهند - كتاب في المنهج الدراسي لطلبة العلوم الإسلامية في موضوع قواعد الفقه، وذلك أن طلبة العلوم الشرعية يقضون أكثر من سبع سنوات في دراستها، ولا يأخذون من هذا الفن الشريف سوى بعض القواعد التي تتخلخل وسط الكتب الفقهية أو الأصولية، وإن بعضهم لا يعرف الفرق بين قواعد الفقه وأصول الفقه، كما أنني كنت أثناء تدريسي لكتاب " الأشباه والنظائر " للعلامة ابن نجيم رحمه الله أحس بأنَّ عبارة الكتاب صعبة للغاية في بعض المواضع، وفي بعض المواضع خلافات، لا يستغني عنها متخصص ولكن المبتدئ ليس له فيها حاجةٌ، بل لا بدَّ له من كتاب سهل بعيد عن قيل وقال وخلاف، حيث يذكر فيه تفصيل للقواعد بأدلتها التفصيلية مع ذكر الأمثلة الواضحة بعبارة سهلة مفهومة.
 
فبدأت العمل مستعينًا بالله، ومتوكلاً عليه، بتاريخ: 28جمادى الأولى 1419هـ الموافق: 21سبتمبر 1998م لما كنت مع والدي الجليل والمربي الكبير فضيلة الشيخ محمد شفيق خان حفظه الله في المستشفى، لعلاج مرض ألمَّ به وكنت معه لأخدمه فانتهزت الفرصة، حيث كنت بعيدًا عن أعباء التدريس، ونائيًا عن الأحباء، والأصدقاء، والمتقابلين وكنت مكبًا على شرح وجمع القواعد، فأتممت القواعد الخمسة الكبرى، والقواعد التابعة لها في أربعة أيام، ثم سنح لي أن أضيف إليها بعض القواعد الكلية المشهورة، مع ذكر بعض القواعد المذهبية، وتذنيب بعض الضوابط في ختام الكتاب، فأتممته بإذن الله في شهر فلِلّه الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ولم أذكر فيه خلافا للمسائل لأنه يشوِّش ذهن المبتدئ، وذكرت أدلة القواعد الخمسة الكبرى، ليقبل قلب الطالب المبتدئ إليها برغبة وطُمَأنِينة.
 
ولقد استفدتُ كثيرًا من كتاب فضيلة الشيخ علي أحمد الندوي حفظه الله القواعد الفقهية جزاءه الله خيرا حيث أن كتابه فريد في موضوعه، يقر العين، ويثلج الفؤاد، ولقد اقتبست منه تفاصيل القواعد، وجعلت الأساس لـ"درر الأحكام شرح مجلة الأحكام.
 
وقد قسَّمتُ الكتاب في ثلاثة أبواب، وفي الباب الأول فصلان، وفي الفصل الأول: تعريف القاعدة وأنواعها، والفرق بين القواعد الأصولية والفقهية. وفي الفصل الثاني نشأة القواعد الفقهية، وفي الباب الثاني ذكرت خمسة فصول، وفي كل فصل قاعدة من القواعد الخمسة الكبرى، والقواعد التابعة لها. والباب الثالث يحتوي على ثلاثة فصول: وفي الفصل الأول القواعد الكلية، وفي الفصل الثاني: القواعد المذهبية، وفي الفصل الثالث: الضوابط. أخيرا ذكرت الخاتمة بإيجاز.
 
ولا أنسى أن أشكر إدارة مظاهر العلوم، (سيلم، جنوب الهند) التي بها استطعت لهذه الخدمة لأبنائي الطلبة، وكذلك الشكر مبذول لصديقين الكريمين فضيلة الشيخ ظفر أحمد، والشيخ عبد الكبير، على تشجيعهما لهذا التأليف المتواضع.
 
وفي الأخير أدعو الله - سبحانه وتعالى- أن يبارك ويوفق الخير لأبنائي هم إمتياز أحمد، وشهاب الدين طالبًا قسم اللغة، ومظهر الحق، وأنصار الحق طالبًا قسم الإفتاء، ومحمد إسحاق، ونعمان خان طالبًا الصف العربي، وكذلك الشكر مبذول إلى سيادة محمد فاروق ناتامكار، ووالده محمد هاشم رحمه الله حيث قام كل منهم بما يتناسب من الأعمال لهذا الكتاب الوجيز المبارك. وسميت الكتاب بـ"القواعد الفقهية المحمودة" نسبة إلى سماحة الشيخ فقيه الأمة سيدي ومولاي المفتي محمود حسن " برَّدَ الله مضجعه وجعل الجنة مثواه".
 
وفي الأخير ألتمس من إخواني طلبة العلم، وقراء هذا الكتاب المتواضع، لو وجدوا فيه زلة وخطأ أن يخبروني حتى أتمكن الاستدراك في الطبعات القادمة - بإذن الله.
 

إنَّ الحمد والشكر لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها بين العلماء هي الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، وإنما الإجماع والقياس مبنيان عليهما، وكذلك قول الصحابي، وشرع مَن قبلنا، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، والعُرف، وإن كانت من الحجج الشرعية فإنها مختلَفٌ فيها بين الفقهاء.
 
إن القرآن الكريم ذكر أسس الشريعة والحكم، والسنة النبوية فصَّلت تلك الشرائع والأحكام، وإنهما تركا تفاصيل الأحكام الجزئية إلى الفقهاء الذين يأتون في كل عصر ومصرٍ؛ لأن الحوادث والوقائع متعاقبة الوقوع، ونخص عصرنا الحاضر؛ حيث كثر فيه الحوادث، ما يوجب على الفقيه التثبت والتفكر والبحث عن العلة في بيان حكم الله سبحانه؛ لأن الفقيه قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نائب في تبليغ الأحكام.
 
ولقد أحسن الإمام الشاطبي (790هـ -) في قوله[1]:
"إن المفتي شارع من وجه؛ لأن ما يُبلِّغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول؛ فالأول يكون فيه مبلغًا، والثاني يكون فيه قائمًا مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه شارعٌ واجبٌ اتباعه، والعملُ على وَفْق ما قاله"[2].
 
ما دام المفتي قائمًا مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فتقع مسؤولية كبيرة على عاتقه؛ فينبغي ألا يتعجل في الفتوى والجواب، ولا يتعرض لها حتى يصير أهلاً لذلك، ويبذل قصارى جهده في بحث العلل ومقاصد الشريعة، حتى لا يخطئ في إدراك مراد الله - جل وعلا، علمًا أن المنصوص من الشرع ليس فيه حق الاجتهاد لأحد، بل الاجتهاد والاستنباط يكون في غير المنصوص.
 
وقد ذكر ابن عابدين[3] - رحمه الله - في رسالته "رسم المفتي":
"قد رأيت في فتاوى العلامة ابن حجر - رحمه الله - سئل في شخص يطالع ويقرأ في الكتب الفقهية بنفسه، ولم يكن له شيخ، ويفتي، يعتمد على مطالعته في الكتب، فهل يجوز ذلك أم لا؟
 
فأجاب بقوله: لا يجوز له الإفتاء بوجه من الوجوه؛ لأنه عامي جاهل لا يدري ما يقول، بل الذي يأخذ العلم عن المشايخ المعتبرين لا يجوز له أن يفتي بكتاب أو بكتابين، بل قال النووي - رحمه الله -: ولا من عشرة؛ فإن العشرة والعشرين قد يعتمدون كلهم على مقالة ضعيفة في المذهب، فلا يجوز تقليدهم فيها، بخلاف الماهر الذي أخذ العلم عن أهله، وصار له ملَكة نفسية؛ فإنه يميز الصحيح عن غيره، ويعلم المسائل وما يتعلق بها على الوجه المعتمد، فهذا الذي يفتي الناس، ويصلح أن يكون واسطة بينهم وبين الله"[4].
 
ويدل قول ابن عابدين - رحمه الله - على ما يرى علماؤنا من أهمية بالغة لذكر وبيان المسائل الفقهية، وإن مما يساعد الفقيه على المسائل والفتاوى معرفة القواعد الفقهية، وبها يزين المفتي فتاواه، ويجمل الفقيه فقهه، ويأمن من الزلل، وإن من سلسلة كتب القواعد الفقهية التي قدمتها بلادنا: هذا الكتاب الذي أمامكم، كما سبق لفضيلة الشيخ العلامة المفتي السيد محمد عميم الإحسان - رحمه الله - من سكان كلكته، أن ألَّف كتابًا باسم: "قواعد الفقه"، الذي طبع مرارًا في الهند، كما قدم للمكتبة العربية الإسلامية حبيبنا الشيخ علي أحمد الندوي - حفظه الله - المتخرج من جامعة أم القرى بمكة المكرمة - زادها الله شرفًا وكرامة - كتابه الجليل: "القواعد الفقهية" جزاه الله خيرًا على ما بذل من الجهود الحثيثة في تأليف كتابه القيم المفيد.
 
مؤلف هذا الكتاب لم يوجز إيجازَ الشيخ محمد عميم الإحسان، ولم يفصل تفصيلاً يصعب إدراجه في المقررات الدراسية، مثل تأليف حبيبنا الشيخ علي أحمد الندوي، بل إنه يناسب ميول الطلبة، والمقررات الدراسية في المناهج الإسلامية الفقهية.
 
ومما يزيد سروري أن مؤلفه "أبو الكلام محمد شفيق خان" من الشباب الذين نشؤوا منذ نعومة الأظفار تحت رعايتي، وأنه تربى في ظل المجمع الفقهي الإسلامي الهندي، أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يرزق القبول لهذا التأليف المبارك، ويوفق مؤلفه لمزيد من البحث والتحقيق في المجالات الفقهية والإسلامية، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
قاضي مجاهد الإسلام القاسمي
الأمين العام للمجمع الفقهي الإسلامي - دلهي الهند



[1] هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الشهير بالشاطبي: أصولي حافظ، من أهل غرناطة، كان من أئمة المالكية، من كتبه: الموافقات، والمجالس، والإفادات، والإنشادات، وغيرها؛ انظر: الأعلام لخير الدين الزِّرِكْلِي (1/75).


[2] الموافقات: (4/ 246).


[3] هو محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز عابدين، دمشقي، 1198 - 1252هـ، فقيه الديار الشامية، إمام الحنفية في عصره، مولده ووفاته في دمشق، له: "رد المحتار على الدر المختار"، و"رفع الأنظار عما أورده الجلبي على الدر المختار"، و"الرحيق المختوم في الفرائض"؛ انظر: الأعلام للزركلي: (6 /42).


[4] رسم المفتي: 8ط هندية.