تحذير الإسلام من الإنقاص من مساحة الأرض
قال الله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [الأنعام: 152] (4)
ذلكم وصاكم به (الوصايا العشر)

كما نهى الشرع عن التطفيف في الكيل والوزن، فإنه نهى عن أخذِ شِبر من الأرض بغير حق، فعند قسمةِ الأرض أمَر بالقسمة العدل؛ ففي البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: "كان بيني وبين أناسٍ خصومة في أرض, فدخلتُ على عائشة فذكرتُ ذلك لها، فقالت: يا أبا سلمة، اجتنب الأرضَ؛ فإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من ظلَم قِيد شِبر من الأرض، طُوِّقه من سبع أرَضين))[1]، هذا وينبغي ألا يحتالَ أحدٌ عند مسح الأرض لقسمتها, فينقص من المقياس؛ ليعطيَ الأصغر وينال الأكبر, وعند البخاري عن عبدالله بن عمر أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أخَذ شبرًا من الأرض بغير حق، خُسِف به يوم القيامة إلى سبع أرَضين))[2]، ومعنى طُوِّقه: يجعل في عنقه مِثلُ الطوق من هذه الأرض المغصوبة ليحملَه يوم القيامة.
 
ولا يسعنا بعد أن قدمنا من بسط لموضوع إقامة الحق والعدل في الميزان إلا أن نردد قولَ الله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن: 7 - 9].
 
ثم قال الله تعالى: ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [الأنعام: 152]؛ أي: إلا طاقتها في كل تكليف من التكاليف, ومنه إيفاء الكيلِ والميزان، فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكنُ الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان، ويكون الوُسْع حسب الإمكانات المتاحة, فكلما تقدَّم العلمُ، وتقدمت صناعةُ المكاييل والموازين، كان الوُسع أدقَّ، وكذلك نوعُ الموزون يحدِّد الدقة؛ فالذهب وما شابهه يحتاج لبذلِ غاية الوُسع في الوزن، كما ينبغي على الوزان استعمالُ أحدث الموازين والمكاييل المتاحة.



[1] جامع الأصول 6208.


[2] السابق 6210