رسالة في بيان حد شارب الخمر لابن كمال باشا
حمدًا لله، والصلاة والسلام على نبي الله، وبعد:
فهذه رسالة معمولة في أن "حد الخمر حد الشرب".
فنقول وبالله التوفيق، وبيده أزمَّة التحقيق:
اعلم أن حد الخمر حد الشرب؛ لأن سبب وجوبه شرب الخمر قليلها وكثيرها، ولا يتوقف الوجوب على حصول السُّكْر منها، وحد سائر الأشربة حد السُّكْر؛ لأن سبب وجوبه السُّكْر الحاصل بشربها.
والسكر حالة تعرض الإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه، فيتعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة، وله حدان: حد لحرمته ولا خلاف فيه، وحد لوجوب الحد بسببه، وفيه اختلاف:
قال صاحب الهداية: والسَّكران الذي يُحدُّ هو الذي لا يعقِل منطقًا قليلاً ولا كثيرًا، ولا يعقِل الرجلَ من المرأة، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: هو الذي يهذي ويخلط كلامه، ثم قال: والمعتبر في القدح المسكر في حق الحرمة ما قالاه بالإجماع؛ أخذًا بالاحتياط.
وقال الإمام قاضي خان في فتاواه: واختلفوا في معرفة السكران، يعني الذي يجب الحد عليه.
قال أبو حنيفة رحمه الله: السكران مَن لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة.
وقال صاحباه: إن اختلط كلامه، فصار غالب كلامه الهذيان، فهو سكران.
والفتوى على قولهما؛ نص على ذلك في البدائع.
وقال صاحب الهداية في كتاب الأشربة: إن عينها حرام، غير معلول بالسُّكر، ولا موقوف عليه.
ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال: إن السُّكْر منها حرام؛ لأن به يحصل الفساد، وهو الصد عن ذكر الله تعالى، وهذا كفر؛ لأنه جحود الكتاب؛ فإنه سماه رجسًا، والرِّجس ما هو محرم العين، ثم قال: يحد شاربها وإن لم يسكَرْ منها؛ لقوله عليه السلام: ((من شرب الخمر فاجلدوه))، وعليه انعقد إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وقد جاءت السنة متواترة أن النبي عليه السلام حرم الخمر، وعليه انعقد إجماع الأمة.
ولأن قليله يدعو إلى كثيره، بخلاف سائر المطعومات - لم يقل: سائر المشروبات تعميمًا له - والمأكولات فإن المطعوم ينتظمها والمشروبات.
وقال في شرحه المسمى بغاية البيان: لا خلاف في أن قليل الخمر وكثيره حرام، يحد به، إنما الخلاف في أن ماء العنب متى يصير خمرًا.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده في كتاب الشرب من المبسوط: الخمر هو الذي من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وصار أسفله أعلاه، فهذا خمر بلا خلاف بين علمائنا.
وأما إذا غلا واشتد ولم يقذف بالزبد، فعلى قول أبي حنيفة ليس بخمر، ويحلُّ شُربه وبيعه، وعلى قولهما هو خمر، لا يحل شربه، إلى هنا كلامه.
فعند أبي حنيفة إذا ألقى عصير العنب الزبد بعد نشنشته فهو خمر، وقال: إذا نش صار خمرًا وإن لم يقذف بالزبد.
وقال بعض مشايخنا: يفتى بالحرمة بمجرد الشدة، وبالحد بقذف الزبد احتياطًا.
ولما كان سبب وجوب الحد شربها، فلا بد من بقاء اسم الخمر وقت الشرب، فلو خلط الخمر بالماء ثم شرب، نظر فيه، إن كان الغلبة للماء، فلا حد عليه عند غلبة الماء، وإن كانت الغلبة للخمر أو كانا سواءً، يحد؛ لأن اسم الخمر باقٍ، وهي عادة بعض الشربة، أنهم يشربونها ممزوجة بالماء، كذا في البدائع، وإياك أن تتوهم من زوال اسم الخمر عند غلبة الماء تحل وتسقط الحد؛ فإن الحرمة باقية، إلا أن الحد ينقلب من الشرب إلى السُّكْر، يرشدك إلى هذا ما في المحيط البرهاني من المسألة القائلة: وإذا طبخ الخمر في مرق بمنزلة الخل، لا يؤكل، ولا يؤخذ، إذا جاء منه ما لم يُسكِر، إلى هنا كلامه.
اعلم: أن حرمة السُّكْر غير مخصوصة بديننا؛ فإنه حرام في سائر الأديان أيضًا على ما نص عليه في البدائع؛ حيث قال: وشرب الخمر مباح لأهل الذمة عند أكثر مشايخنا، فلا يكون جناية، وعند بعضهم: وإن كان حرامًا، لكنا نهينا عن التعرض لهم وما يَدينون، وفي إقامة الحد عليهم تعرض لهم من حيث المعنى؛ لأنه يمنعهم من الشرب.
وعن الحسن بن زياد: أنهم إذا شربوا وسكِروا، يحدون لأجل السُّكْر، لا لأجل الشرب؛ لأن السُّكْر حرام في الأديان كلها.
وما قاله الحسن حسَن.
ولا يحد السكران بإقراره على نفسه؛ لزيادة احتمال الكذب في إقراره، فيحتاج لدرية (الدرية كالدراية: هو العلم)؛ لأنه خالص حق الله تعالى، بخلاف حد القذف؛ لأن فيه حق العبد، والسكران فيه كالصاحي عقوبة عليه كسائر تصرفاته.
ولو ارتدَّ السكران لا تَبِينُ منه امرأته؛ لأن الكفر من باب الاعتقاد، فلا يتحقق مع السُّكْر؛ كذا في الهداية.
وبقوله بخلاف حد القذف، تبيَّن ما في كلام الإمام قاضي خان؛ حيث قال: خلع السكران جائز، وكذا سائر تصرفاته، إلا الرِّدة، والإقرار بالحدود، والإشهاد على شهادة نفسه من الخلل، فتأمل.
واعلم: أن المعتبر هنا ما نقل عن الإمامين في حد السكران، نص عليه في شرح مختصر القُدوري للزاهدي بهذه العبارة: السكران الذي يصح منه التصرفات، أن يصير بحال يستحسن ما يستقبحه الناس، ويستقبح ما يستحسنونه، لكنه يعرف الرجل من المرأة، والأرض من السماء، وأما الموجب للحد ألا يعرف ذلك أيضًا، فلا جرم، لا يصح تصرفاته.
• اعلم: أن حرمة الخمر بعينها، فلا فرق في الحرمة وما يتبعها من الأحكام بين قليلها - بخلاف سائر المسكرات - وكثيرها؛ فإن الحرمة فيها لسكرها؛ فقليلها يفارق كثيرها في الحرمة، وروادفها، هذا عندنا.
• وأما عند الشافعي فما يسكر جرعة يحرم جرعته، هذا هو المفهوم من الهداية، وقد نص صاحب الدرر والغرر: أن السُّكْر قد يحصل بطريق مباح؛ كالسُّكر الحاصل من الأدوية والأغذية، ما عدا الخمر، ولا خفاء في أن البنج ونحوه يدخل تحت هذه الكلية، والله أعلم.
• • •
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم: أن للسُّكْر غفلة تعرض بغلبة السرور على العقل بمباشرة ما يوجبها، فيخرج الغفلة الحاصلة التي لا توجب السرور؛ كشرب الأفيون، والبنج، وغير ذلك؛ لأن تلك الغفلة من قبل الجنون لا السُّكْر، لما كان حكمها واحدًا في الشرع، ألحقت به، والسُّكْر نوعان:
• سكر بطريق مباح؛ كشرب الدواء؛ مثل: البنج والأفيون للمداواة.
• وشُرب المكره على شرب الخمر بالقتل.
• وشرب المضطر منها ما يرد به العطش، وكذلك على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إذا شرب شرابًا يتخذ منه الحنطة أو الشعير أو العسل أو الذرة، فإنها حلالٌ، ولا يحد بشاربه عنده، وإن سكر هذا النوع من السُّكْر بمنزلة الإغماء، فيمنع صحة طلاقه وعتاقه وسائر تصرفاته من البيع والشراء؛ لأنه ليس من جنس اللهو حتى يؤاخذ به، فصار من أقسام المرض، فلا يكون مخاطبًا.
• وسكر بطريق محظور، وهو السُّكْر الحاصل، وهو كل شراب محرم؛ كالخمر، والباذق، والمنصف، وهذا النوع من السُّكْر لا ينافي المطلوب.
تم بعون الله تعالى.
رسالة في بيان حد شارب الخمر لابن كمال باشا
جاري تجهيز الصوت…
رسالة في بيان حد شارب الخمر لابن كمال باشا حمدًا لله، والصلاة والسلام على نبي الله، وبعد:فهذه رسالة معمولة في أن "حد الخمر حد الشرب". فنقول وبالله التوفيق، وبيده أزمَّة التحقيق:اعلم أن حد الخمر حد الشرب؛ لأن سبب وجوبه شرب الخمر قليلها وكثيرها، ولا يتوقف الوجوب على حصول السُّكْر منها، وحد سائر الأشربة حد السُّكْر؛ لأن سبب وجوبه السُّكْر الحاصل بشربها. والسكر حالة تعرض الإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه، فيتعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة، وله حدان: حد لحرمته ولا خلاف فيه، وحد لوجوب الحد بسببه، وفيه اختلاف:قال صاحب الهداية: والسَّكران الذي يُحدُّ هو الذي لا يعقِل منطقًا قليلاً ولا كثيرًا، ولا يعقِل الرجلَ من المرأة، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: هو الذي يهذي ويخلط كلامه، ثم قال: والمعتبر في القدح المسكر في حق الحرمة ما قالاه بالإجماع؛ أخذًا بالاحتياط. وقال الإمام قاضي خان في فتاواه: واختلفوا في معرفة السكران، يعني الذي يجب الحد عليه. قال أبو حنيفة رحمه الله: السكران مَن لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة. وقال صاحباه: إن اختلط كلامه، فصار غالب كلامه الهذيان، فهو سكران. والفتوى على قولهما؛ نص على ذلك في البدائع. وقال صاحب الهداية في كتاب الأشربة: إن عينها حرام، غير معلول بالسُّكر، ولا موقوف عليه. ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال: إن السُّكْر منها حرام؛ لأن به يحصل الفساد، وهو الصد عن ذكر الله تعالى، وهذا كفر؛ لأنه جحود الكتاب؛ فإنه سماه رجسًا، والرِّجس ما هو محرم العين، ثم قال: يحد شاربها وإن لم يسكَرْ منها؛ لقوله عليه السلام: ((من شرب الخمر فاجلدوه))، وعليه انعقد إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وقد جاءت السنة متواترة أن النبي عليه السلام حرم الخمر، وعليه انعقد إجماع الأمة. ولأن قليله يدعو إلى كثيره، بخلاف سائر المطعومات - لم يقل: سائر المشروبات تعميمًا له - والمأكولات فإن المطعوم ينتظمها والمشروبات. وقال في شرحه المسمى بغاية البيان: لا خلاف في أن قليل الخمر وكثيره حرام، يحد به، إنما الخلاف في أن ماء العنب متى يصير خمرًا. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده في كتاب الشرب من المبسوط: الخمر هو الذي من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وصار أسفله أعلاه، فهذا خمر بلا خلاف بين علمائنا. وأما إذا غلا واشتد ولم يقذف بالزبد، فعلى قول أبي حنيفة ليس بخمر، ويحلُّ شُربه وبيعه، وعلى قولهما هو خمر، لا يحل شربه، إلى هنا كلامه. فعند أبي حنيفة إذا ألقى عصير العنب الزبد بعد نشنشته فهو خمر، وقال: إذا نش صار خمرًا وإن لم يقذف بالزبد. وقال بعض مشايخنا: يفتى بالحرمة بمجرد الشدة، وبالحد بقذف الزبد احتياطًا. ولما كان سبب وجوب الحد شربها، فلا بد من بقاء اسم الخمر وقت الشرب، فلو خلط الخمر بالماء ثم شرب، نظر فيه، إن كان الغلبة للماء، فلا حد عليه عند غلبة الماء، وإن كانت الغلبة للخمر أو كانا سواءً، يحد؛ لأن اسم الخمر باقٍ، وهي عادة بعض الشربة، أنهم يشربونها ممزوجة بالماء، كذا في البدائع، وإياك أن تتوهم من زوال اسم الخمر عند غلبة الماء تحل وتسقط الحد؛ فإن الحرمة باقية، إلا أن الحد ينقلب من الشرب إلى السُّكْر، يرشدك إلى هذا ما في المحيط البرهاني من المسألة القائلة: وإذا طبخ الخمر في مرق بمنزلة الخل، لا يؤكل، ولا يؤخذ، إذا جاء منه ما لم يُسكِر، إلى هنا كلامه. اعلم: أن حرمة السُّكْر غير مخصوصة بديننا؛ فإنه حرام في سائر الأديان أيضًا على ما نص عليه في البدائع؛ حيث قال: وشرب الخمر مباح لأهل الذمة عند أكثر مشايخنا، فلا يكون جناية، وعند بعضهم: وإن كان حرامًا، لكنا نهينا عن التعرض لهم وما يَدينون، وفي إقامة الحد عليهم تعرض لهم من حيث المعنى؛ لأنه يمنعهم من الشرب. وعن الحسن بن زياد: أنهم إذا شربوا وسكِروا، يحدون لأجل السُّكْر، لا لأجل الشرب؛ لأن السُّكْر حرام في الأديان كلها. وما قاله الحسن حسَن. ولا يحد السكران بإقراره على نفسه؛ لزيادة احتمال الكذب في إقراره، فيحتاج لدرية (الدرية كالدراية: هو العلم)؛ لأنه خالص حق الله تعالى، بخلاف حد القذف؛ لأن فيه حق العبد، والسكران فيه كالصاحي عقوبة عليه كسائر تصرفاته. ولو ارتدَّ السكران لا تَبِينُ منه امرأته؛ لأن الكفر من باب الاعتقاد، فلا يتحقق مع السُّكْر؛ كذا في الهداية. وبقوله بخلاف حد القذف، تبيَّن ما في كلام الإمام قاضي خان؛ حيث قال: خلع السكران جائز، وكذا سائر تصرفاته، إلا الرِّدة، والإقرار بالحدود، والإشهاد على شهادة نفسه من الخلل، فتأمل. واعلم: أن المعتبر هنا ما نقل عن الإمامين في حد السكران، نص عليه في شرح مختصر القُدوري للزاهدي بهذه العبارة: السكران الذي يصح منه التصرفات، أن يصير بحال يستحسن ما يستقبحه الناس، ويستقبح ما يستحسنونه، لكنه يعرف الرجل من المرأة، والأرض من السماء، وأما الموجب للحد ألا يعرف ذلك أيضًا، فلا جرم، لا يصح تصرفاته. • اعلم: أن حرمة الخمر بعينها، فلا فرق في الحرمة وما يتبعها من الأحكام بين قليلها - بخلاف سائر المسكرات - وكثيرها؛ فإن الحرمة فيها لسكرها؛ فقليلها يفارق كثيرها في الحرمة، وروادفها، هذا عندنا. • وأما عند الشافعي فما يسكر جرعة يحرم جرعته، هذا هو المفهوم من الهداية، وقد نص صاحب الدرر والغرر: أن السُّكْر قد يحصل بطريق مباح؛ كالسُّكر الحاصل من الأدوية والأغذية، ما عدا الخمر، ولا خفاء في أن البنج ونحوه يدخل تحت هذه الكلية، والله أعلم.• • •بسم الله الرحمن الرحيماعلم: أن للسُّكْر غفلة تعرض بغلبة السرور على العقل بمباشرة ما يوجبها، فيخرج الغفلة الحاصلة التي لا توجب السرور؛ كشرب الأفيون، والبنج، وغير ذلك؛ لأن تلك الغفلة من قبل الجنون لا السُّكْر، لما كان حكمها واحدًا في الشرع، ألحقت به، والسُّكْر نوعان:• سكر بطريق مباح؛ كشرب الدواء؛ مثل: البنج والأفيون للمداواة. • وشُرب المكره على شرب الخمر بالقتل. • وشرب المضطر منها ما يرد به العطش، وكذلك على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إذا شرب شرابًا يتخذ منه الحنطة أو الشعير أو العسل أو الذرة، فإنها حلالٌ، ولا يحد بشاربه عنده، وإن سكر هذا النوع من السُّكْر بمنزلة الإغماء، فيمنع صحة طلاقه وعتاقه وسائر تصرفاته من البيع والشراء؛ لأنه ليس من جنس اللهو حتى يؤاخذ به، فصار من أقسام المرض، فلا يكون مخاطبًا. • وسكر بطريق محظور، وهو السُّكْر الحاصل، وهو كل شراب محرم؛ كالخمر، والباذق، والمنصف، وهذا النوع من السُّكْر لا ينافي المطلوب. تم بعون الله تعالى.