أقسام واضح الدلالة
المحكَم

وهو لغة: المتقَن، مِن أحكَم الشيء إذا أمنه عن الانتقاص، وفي اصطلاح الأصوليين: المكشوف المعنى، والذي لا يتطرقُ إليه إشكالٌ واحتمال[1]؛ فدلالته واضحةٌ ثابتة، وهو من الأمور المسلَّم بها التي لا يتطرقُ إليها أيُّ شبهةٍ في دلالتها؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 75].
 
فهو: (ما ليس فيه احتمالُ التأويل، ولا احتمالُ النَّسخ والتبديل)[2]، أما عدم قَبولِه للتأويل، فلأن عبارتَه في غاية الوضوحِ في إفادةِ معناه، وعدم قَبوله للنَّسخِ بوصف دلالته على حُكم لا يقبَل بطبيعته التبديلَ والتغيير، أو يقبَله واتَّصَل به ما ينفي احتمالَ نسخه؛ كأن يكون الحُكم الذي يشتمل عليه لفظه يمثِّل قاعدةً من قواعد الدِّين الإسلامي؛ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورُسله، واليوم الآخِر، أو يمثِّلُ قاعدة أخلاقية من أمَّهات الفضائل؛ كالعدل، والإحسان، وبِر الوالدين، والوفاء بالعهد، وتحريم الظُّلم، إلى غيرِها من المبادئ الإسلامية.
 
أو أنه إذا قبِل النسخ بطبيعته يكون متصلاً به ما ينفي ذلك القَبول؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ﴾ [الأحزاب: 53]؛ فقد اقترَن بالحُكم هنا ما يدلُّ على تأبيده ودوامِه[3].
 
والمُحكَم يقابِل المتشابِه في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [آل عمران: 7]، وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحلالُ بَيِّن، والحرامُ بَيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ))[4].
 
ويجدُرُ التنبيهُ إلى أن التفسيرَ والنسخَ لا يكونانِ إلا بدليلٍ من القرآن أو السنَّة، وكذلك الشأن في النَّسخ، لا يثبُتُ إلا بدليلٍ منهما، ولا يصحُّ من غيرهما، ولا يصحُّ قطعًا بعد انقطاع الوحيِ[5].



[1] المستصفى (1 /68).


[2] كشف الأسرار (1 /51).


[3] نيل الأوطار (8/30).


[4] أخرجه البخاري في الإيمان (1/20) حديث رقم (52)، ومسلم في البيوع (5/50) حديث رقم (1599)، و(107).


[5] أصول الفقه؛ لأبي زهرة (96).