دلالة اللفظ على الواضح والخفي

الأمر هنا يتعلَّقُ بجهة السامع؛ فالكلام له سلطانٌ على السامع، ونَفَاذ إلى مداركه، فمتى علِمْنا كونَ كل واحد من الألفاظ المفردة موضوعًا لتلك المعاني المفردة، وعلِمْنا أيضًا كونَ حركات تلك الألفاظ دلالة على النِّسب المخصوصة لتلك المعاني، فإذا توالت الألفاظُ المفردات بحركاتها المخصوصة على السمع، ارتسمت تلك المعاني المفردةُ مع نسبة بعضها إلى بعض في الذهن، ومتى حصَلتِ المفردات مع نسبها المخصوصة في الذهن، حصَل العِلم بالمعاني المركَّبة لا محالة.
 
وبالنظر إلى الوضوح والخفاء اللذينِ يتملَّكان السامع، قسَّم الأصوليون الخطاب إلى قسمين: قسم واضح في معناه، وهو يدلُّ على مقصوده بصيغته نفسها دون توقُّف على أمر خارجي، وقسم غامض في الدلالة على المعنى، فلا يُفهَم المراد منه إلا بأمورٍ خارجة عن نصِّه؛ كبيانٍ مِن نص آخرَ من القرآن أو السنَّة، أو بقرائن الأحوال.
 
ثم ينقسم كل منهما حسب درجات الوضوح والخفاء؛ فالواضح يشملُ - حسب الترتيب في درجات الوضوح -: الظاهرَ والنصَّ والمفسَّر والمحكَم، وهذا عند الحنفية، أما عند الشافعية والجمهور، فالوضوحُ على درجتين: الظاهر والنص[1].
 
أما غير الواضح عند الحنفية، فيقسم إلى أربعة أقسام: الخفي والمشكل والمجمَل والمتشابه، حسب الترتيب في زيادة الخفاء، في حين لا يوجد عند عامة الأصوليين غيرُ المجمَل والمتشابِه.
 
ووجه الضبط عند الحنفية بالنسبة للواضح: أن اللفظ إن ظهر معناه فإما أن يحتمل التأويل - إن كان خاصًّا - أو يحتمل التخصيص - إن كان عامًّا - أو لا يحتمل أيًّا منهما، فإن احتمل ذلك، فإن كان ظهورُ معناه لمجرد صيغته، فهو الظاهر، وإلا فهو النص.
 
وإن لم يحتملِ التأويلَ أو التخصيص، فإن قَبِلَ النسخَ فهو المفسَّر، وإن لم يقبَلْ فهو المحكَم.
 
وأما وجه الضبط بالنسبة للغامض: إذا خفي المراد من اللفظ، فخفاؤُه إما بنفس اللفظِ أو لعارض، الثاني يسمى خفيًّا، والأول: إما أن يدرك المراد بالعقل أو لا، الأول يسمى مشكلاً، والثاني: إما أن يدرك المراد بالنقل، أو لا يدرك أصلاً، الأول يسمى مجمَلاً، والثاني متشابهًا، فهذه أقسامٌ متباينة بلا خلاف[2].



[1] الخطاب الشرعي ص (117 - 118).


[2] التلويح (1/126).