بيان أسباب الاختلاف الواقع بين الأئمة في صدر هذه الأمة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

أما بعد:
فهذه جملة من الأمور تبيّن سبب الاختلاف الواقع بين الأئمة في صَدْرِ هذه الأمة، وهي عشرة، كما قال ابن حزم - رحمه الله - في كتابه "الإحكام"[1] وذكرها، أحببت أن أُفرِدَها هنا؛ لأهميته، وأعلِّق عليها بما يسّره الله - عز وجل - وهي قوله:
أحدها: ألا يبلغ العالمَ الخبرُ؛ فيُفتيَ فيه بنصٍّ آخرَ بلغه، كما قال عمررضي الله عنه في خبر الاستئذان[2]: "خفي عليَّ هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ألهاني الصفق بالأسواق"[3].
 
وثانيها: أن يقع في نفسه أن راويَ الخبر لم يحفَظْ، وأنه وَهِمَ، كفعل عمر رضي الله عنه في خبر فاطمةَ بنت قيس[4] رضي الله عنها، وكفعل عائشة رضي الله عنها في خبر: الميِّت يعذَّب ببكاء أهله[5]، وهذا ظن لا معنى له، إن أطلق بطَلَت الأخبار كلها، وإن خص به مكان دون مكان، كان تحكمًا بالباطل.
 
وثالثها: أن يقع في نفسه أنه منسوخ، كما ظن ابن عمر في آية نكاح الكتابيات[6].
 
ورابعها: أن يغلِّب نصًّا على نصٍّ بأنه أحوط، وهذا لا معنى له؛ إذ لا يُوجِبُه قرآن ولا سنة.
 
وخامسها: أن يغلِّب نصًّا على نصٍّ لكثرة العاملين به أو لجلالتهم، وهذا لا معنى له لما قد أفدناه قبلاً في ترجيح الأخبار.
 
وسادسها: أن يغلِّب نصًّا لم يصح على نص صحيح، وهو لا يعلم بفساد الذي غلَّب.
 
وسابعها: أن يخصِّص عمومًا بظنه.
 
وثامنها: أن يأخذ بعموم لم يَجب الأخذُ به، ويتركَ الذي يثبت تخصيصُه.
 
وتاسعها: أن يتأوَّل في الخبر غيرَ ظاهره بغير برهان، لعله ظنَّها بغير برهان.
 
وعاشرها: أن يترك نصًّا صحيحًا لقول صاحب بلَغَه، فيظن أنه لم يترك ذلك النصَّ إلا لعلم كان عنده.

فهذه ظنون تُوجِبُ الاختلاف[7] الذي سبق في علم الله عز وجل أنه سيكون، ونسأل الله تعالى التثبيت على الحق بمنّه آمين.



[1] الأحكام (2/241) لابن حزم - بتصرف يسير.


[2] ولفظه عند البخاري رقم: (1956): "عن عبيد الله بن عمير: أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه استأذن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يؤذن له - وكأنه كان مشغولاً - فرجع أبو موسى، ففرغ عمر، فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟! ائذنوا له. قيل: قد رجع. فدعاه، فقال: كنا نؤمر بذلك. فقال: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم، فقالوا: لا يشهد على هذا إلا أصغرنا: أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، فذهب بأبي سعيد الخدري، فقال عمر: أخفِيَ هذا عليَّ من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! ألهاني الصفق بالأسواق - يعني الخروج إلى تجارة".


[3] وقاله عمر - رضي الله عنه - في خبر الصدقة على الزوجة، وقد أخرجه الطيالسي رقم: (1364)، وله شواهد، انظر: السلسلة الصحيحة (3/21) رقم: (1024).


[4] عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد، جالسًا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة"، ثم أخذ الأسود كفًّا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك تحدِّث بمثل هذا. قال عمر رضي الله عنه: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لقول امرأة؛ لا ندري لعلَّها حفظَت أو نسيتُ، لها السكْنَى والنفقة. قال الله عز وجل: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [الطلاق:1]. أخرجه مسلم رقم: (1480).


[5] ولفظه: عن عروة قال: "ذكر عند عائشة رضي الله عنها قول ابن عمر رضي الله عنه: الميِّتُ يعذّب ببكاء أهله عليه. فقالت: رحم الله أبا عبدالرحمن سمع شيئًا فلم يحفَظْه، إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة يهودي - وهم يبكون عليه - فقال: ((أنتم تبكون، وإنه لَيُعذَّب)). أخرجه مسلم رقم: (931). وانظر للفائدة: مقالاً لي بعنوان: الأسباب المنجية من عذاب القبر أو البرزخ.


[6] أخرجه البخاري رقم: (4981)، عن نافع: "أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان إذا سُئِل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: "إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى؛ وهو عبد من عباد الله".


[7] ومع هذا فتأمل كلام ابن رجب - فهو مفيد هنا - حيث يقول: "لابد في الأمة من عالم يوافق الحق؛ فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهًا عليه، ولا يكون عالمًا بهذا؛ فإن هذه الأمة: (( لا تجتمع على ضلالة ))، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورًا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار". جامع العلوم والحكم (ص: 69).