الوقف في المجال الثقافي والعلمي وأهميته

يعتبر الوقف أهمّ أداة في تحقيق الربط والترابط العلمي والثقافي والتاريخي بين السلف والخلف، وذلك عن طريق العلوم والأوقاف التي وقفوها، إذ لا زلنا نستفيد منها ونجني من نعيمها إلى الآن.
 
ولقد أدرك السلفُ الطيّبُ القيمةَ الكبيرة للوقف العلمي، ودوْره في حفظ العقل وتطوير العلوم، ومن ثَم تحقيق رضا الله تعالى والفوز بقربه، وإبعاد الجهل عن النفس والأمة، فسارعوا إلى طلب العلم والوقف فيه، حيث كانوا يدرسون العلم بالمساجد أوّلا، ثم انتقل ذلك إلى الأوقاف التابعة لها بدءاً من الزوايا ودور العلم، إلى الرّبط للكبار، والكتاتيب لتدريس الصغار، حتى أصبح كتَّاب الضحاك بن مزاحم عام 105هـ يحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف طفل كما سيأتي.
 
ثم في القرن الخامس انتشرت المكتبات والمدارس الوقفية ودُور العلم ومرافقها وما فيها من خدمات، وأوقفوا لتلكم الأوقافِ الاستغلاليةِ أوقافًا استثماريةً تعود غلتها عليها، كالمدرسة النظامية والبيهقية والنورية... وغيرها من المدارس الكثيرة في تاريخ الإسلام، بل قد كان لكلّ مذهب من مذاهب أهل السنة والحديث مدرسة وقفية يدرسون فيها العلم والسنن، وكلهم قد استحسنوا هذا الفعل أو ساهموا فيه، لم يتخلف عن ذلك أحد كما سيأتي في غضون هذا البحث.
 
ويكفي أن نشير هنا إلى مثال عملي حول المدارس الوقفية وما استُثمر عليها: وهو ما قاله ابن جبير في رحلته (183) في ذكر بغداد زمن صلاح الدين الأيوبي:
"والمدارس بها نحو الثلاثين، وهي كلها بالشرقية، وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها وأعظمها وأشهرها النظامية وهي التي ابتناها نظام الملك، وجددت سنة أربع وخمسمئة، ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة تتصير إلى الفقهاء المدرّسين بها، ويجرون بها على الطلبة ما يقوم بهم، ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلد، فرحم الله واضعها الأول ورحم من تبع ذلك السَّنن الصالح ".
وفي هذا العصر الحديث لا يخفى ما للوقف من دور كبير في تطوير البحث العلمي والتقدم التكنولوجي عن طريق المساهمة في تمويل البرامج العلمية والتكنولوجية والمحطات الفضائية والبرامج النافعة وهكذا.