اللفظ الخاص وأنواعه

في مقابل اللفظ العام الذي يدل على الاستغراقِ والشمول دون حصرٍ بعدد معين، قد يُطلَق اللفظ ليدلَّ على معنى واحد، وهو اللفظ الخاص، ونعرض له فيما يلي:

ماهية الخاص:
الاختصاص في اللغة هو التفرد، وقَطْع الشركة، فكل اسمٍ لمسمًّى معلوم على الانفراد يقال له: خاص، ومنه خصَّه بالشيء: أي أفرَده به دون غيره، ويقال: اختص فلانٌ بالأمر، وتخصَّص له إذا انفرد[1].
 
ويقتربُ من هذا تعريفه في الاصطلاح، فعرف بأنه: (اللفظ الواحد الذي لا يصلُحُ مدلوله لاشتراكِ كثيرين فيه)[2]، وعرف بأنه: (لفظ وُضِع لواحد أو لكثير محصور وضعًا واحدًا)[3].
 
ويشمل المعنى الواحد الموضوعُ له اللفظُ الخاصُّ كلاًّ من: الفرد (وهو الواحد بالشخص)؛ كـ: (علي)، والواحد بالنوع؛ كـ: (الإنسان)، والواحد بالجنس؛ كـ: (الكائن الحي)، وهذه أمثلة الواحد الحقيقي، كما يشمل الواحد الاعتباري؛ كـ: العلم والجهل والحركة، وكذلك يشمل أسماء الأعداد[4].
 
دلالة الخاص:
اتَّفَق الأصوليُّون على أن اللفظَ الخاص يدل على المعنى الذي وُضِع له في اللغة؛ ولذلك يثبُتُ الحُكم لمدلولِه على سبيل القطع لا الظن، دون التفاتٍ إلى ما يحتملُه.
 
وبسببٍ من هذه الحقيقة يقرِّر الأصوليون أنه لا يسمح لسامع الخطاب أو قارئه أن يتصرَّفَ في ألفاظه، فيؤوِّلها بصَرفها من الحقيقة إلى المجاز - في حالة انعدام القرينة على ذلك - لأن الخاص في نظرِهم بيِّن بنفسِه فيما وُضِع له؛ أي (لا يحتمل التصرُّف فيه بطريق البيان)[5]؛ ولذلك فإن دلالتَه القطعية توجب الحُكم، (فإذا قلنا: زيد عالم، فزيد خاص، فيوجب الحُكْم بالعلمِ على زيد، وأيضًا العلم لفظ خاص بمعناه، فيوجب الحُكم بذلك الأمرِ الخاص على زيد)[6]، وألفاظ: عشرة مساكين، وثلاثة أيام، وكذلك لفظ (أو) في الموضعين في قوله تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ [المائدة: 89] إلى قوله تعالى: ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ [المائدة: 89]، فكل تلك ألفاظ خاصة، يراد بها: مدلولاتُها التي وُضِعَتْ لها قَطْعًا، ولا يمكن صرفُها عنها؛ لأنه لا دليل على ذلك؛ فالمدلول المراد من هذه الأعداد محدَّدٌ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، والمراد من (أو) هو التخييرُ في الموضعين معًا، وبذلك تُفِيد الآية بتدرُّجِ سياقها: أن الحانثَ في يمينه مخيَّر في الكفارة ابتداءً بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبة، وأنه لا يلجأ إلى صيام ثلاثةِ أيام إلا عند عجزِه عما سبَق.
 
فإذا دلَّ دليلٌ على صرفِ اللفظ الخاص عن معناه الحقيقي الذي وُضِع له، فإن دلالتَه على مسماه حينئذٍ تصير ظنية؛ إذ إن سامع الخطاب أو قارئَه يصبح غيرَ قادر على التمييزِ الجازم بين ما يدلُّ عليه اللفظ الخاص، وبين ما تهدي إليه القرينةُ من معنًى قد يكون المتكلمُ أراده فعلاً، ومثال ذلك إذا قال القائل: قتلَ القاضي المجرم، فإن لفظ (قتل) الخاصَّ قد يكون معناه القتل فعلاً، وقد يكون الحُكمَ بالقتل، والاحتمال الثاني يؤيِّده أن مهمة القاضي هو الحُكم دون التنفيذ، ومن هنا يتسرَّبُ الظنُّ إلى المخاطَب[7].
 
أما إذا كان الدليل قويًّا، فيصبح المعنى المجازيُّ هو المراد، كما في قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ [النساء: 2]؛ إذ اليتامى هنا ليسوا هم الأطفالَ الصغار الذين فقَدوا آباءهم، بل هم البالِغون الراشدون، بدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾ [النساء: 6]، وسُمُّوا (يَتَامَى) باعتبار ما كان.
 
وقد ذكَر الغزالي أن صرف الألفاظ (عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصام فيه بنقل عن صاحبِ الشرع، ومن غيرِ ضرورة تدعو إليه من دليل العقل - يفضي ذلك إلى بطلانِ الثِّقة بالألفاظ من جهة، وسقوط المنفعةِ بكلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جهة ثانية)[8].
 
أنواع الخاص:
تتعددُ أنواع الخاص باعتبار الحالة والصفةِ التي يرِدُ فيها؛ فقد يرِدُ مطلَقًا عن التقييد، أو مقيَّدًا بوصفٍ أو غيرِه، وقد يأتي أمرًا أو نهيًا.



[1] أساس البلاغة؛ للزمخشري ص (112).


[2] الإحكام؛ للآمدي (2/54).


[3] التلويح (1/34).


[4] كشف الأسرار (1/31).


[5] أصول البزدوي (1/79).


[6] التوضيح (1/35).


[7] الخطاب الشرعي (92).


[8] إحياء علوم الدين؛ للغزالي (1/37).