شروط المجتهد مع نماذج من اجتهادات الفقهاء
شروط المجتهد:
هناك أربعة شروط يجب توفرها في المجتهد:
الأول: العلم بكتاب الله عز وجل وما تضمنه من الأحكام محكماً ومتشابهاً، وعموماً وخصوصاً، ومجملاً ومفسراً، وناسخاً ومنسوخاً.
الثاني: العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله، وطرقها في التواتر والآحاد، والصحة والفساد، وما كان منها على سببٍ وإطلاقٍ.
الثالث: العلم بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع ويجتهد في الرأي مع الاختلاف.
الرابع: العلم بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها، حتى يجد المفتي طريقاً إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل، فهذا ما لا مندوحة للمفتي عنه ولا يجوز له الإخلال بشيء منه[1].
شروط تقليد المذاهب في النوازل.
قال الزَّنَاتيَ[2]: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقالُ من مذهبٍ إلى مذهب بثلاثة شروط:
• ألا يجمع بينهما على وجهٍ يخالف الإجماع، كمن تزوَّج بغير صَدَاقٍ ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.
• وأن يعتقد فيمن يُقلِّده الفَضْلِ بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رَمْياً في عَمَاية.
• ألا يتتبع رخص المذاهب[3].
نماذج من اجتهادات الفقهاء:
مسألة: اعلم أن المسألة إذا كانت ذات اختلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه فحكمها أن المجتهد في المذهب يختار من أقوالهم:
ما هو أقوى دليلا، وأقيس تعليلا، وأرفق بالناس، ولذلك أفتى جماعات من علماء الحنفية على قول محمد[4] - رحمه الله - في طهارة الماء للمستعمل.
وعلى قولهما: في أول وقت العصر والعشاء، وفي جواز المزارعة، وكتبهم مشحونة بذلك لا يحتاج إلى إيراد النقول.
وكذلك الحال في مذهب الشافعي - رحمه الله - في المنهاج وغيره في الفرائض أن أصل المذهب، عدم توريث ذوي الأرحام، وقد أفتى المتأخرون عند عدم انتظام بيت المال بتوريثهم وقد نقل - فقيه اليمن - ابن زياد في فتاواه مسائل أفتى المتأخرون فيها بخلاف المذهب منها إخراج الفلوس من الزكاة المفروضة من النقدين، وعروض التجارة، أفتى البلقيني[5] بجوازه وقال أعتقد جوازه ولكنه مخالف لمذهب الشافعي - رحمه الله - وتبع البلقيني في ذلك البخاري[6].
ومنها دفع الزكاة إلى الأشراف العلويين، أفتى الإمام فخر الدين الرازي بجوازه في هذه الأزمنة حين منعوا سهمهم من بيت المال وأضر بهم الفقر.
ومنها بيع النحل في الكوارات[7] مع ما فيها من شمع وغيره، أجاب البلقيني بالجواز ونقل ابن زياد عن الإمام ابن عجيل أنه قال ثلاث مسائل في الزكاة يفتي فيها بخلاف المذهب نقل الزكاة ودفع الزكاة إلى واحد ودفعها إلى أحد الأصناف[8].
[1] تعظيم الفتيا لابن الجوزي (1/68).
[2] أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن عياش الزناتي - نسبة إلى زنات ناحية بسرقسطة بالأندلس - الغرناطي يُعرف بالكماد شيخ المالكية، كان إماماً فقهياً قائماً على المدونة ت 618هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء 22/175.
[3] جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير (2/447).
[4] هو محمد بن الحسن بن فرقد. نسبته إلى بني شيبان بالولاء. أصله من (خرستا) من قرى دمشق، منها قدم أبوه العراق، فولد له محمد بواسط، ونشأ بالكوفة. إمام في الفقه والأصول، ثاني أصحاب أبي حنيفة بعد أبي يوسف. من المجتهدين المنتسبين. هو الذي نشر علم أبي حنيفة بتصانيفه الكثيرة. ولي القضاء للرشيد بالرقة، ثم عزله واستصحبه الرشيد في مخرجه إلى خراسان، فمات محمد بالري. من تصانيفه: ((الجامع الكبير))؛ و((الجامع الصغير))؛ و((المبسوط))؛ و((الزيادات)). وهذه كلها التي تسمى عند الحنفية كتب ظاهر الرواية. وله ((كتاب الآثار))؛ و((الأصل))، توفي سنة 189هـ.
[الفوائد البهية ص 163؛ والأعلام للزركلي 6/309؛ والبداية والنهاية 10/202].
[5] هو عمر بن رسلان بن نصير، البلقيني، والكنان أبو حفص، سراج الدين. شيخ الإسلام. عسقلاني الأصل. ولد في (بلقينة) بغريبة مصر. أقدمه أبوه إلى القاهرة وهو ابن اثنتي عشرة سنة فاستوطنها، واشتغل على علماء عصره.
نال في الفقه وأصوله الرتبة العليا، حتى انتهت إليه الرئاسة في فقه الشافعية، والمشاركة في غيره. كان مجتهدا حافظا للحديث. وتأهل للتدريس والقضاء والفتيا، وولي إفتاء دار العدل وقضاء دمشق.
من تصانيفه: ((تصحيح المنهاج)) في الفقه ست مجلدات؛ و((حواش على الروضة)) مجلدان؛ وشرحان على الترمذي، توفي سنة 805هـ.
[الضوء اللامع 6/85؛ وشذرات الذهب 7/511؛ ومعجم المؤلفين 5/205].
[6] هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أبو عبد الله، البخاري. حبر الإسلام، والحفاظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولد في بخارى، ونشأ يتيما، وكان حاد الذكاء مبرزا في الحفظ.
رحل في طلب الحديث، وسمع من نحو ألف شيخ بخراسان والشام ومصر والحجاز وغيرها. جمع نحو 600 ألف حديث اختار مما صح منها كتابه ((الجامع الصحيح)) الذي هو أوثق كتب الحديث. وله أيضاً ((التاريخ))؛ ((الضعفاء))؛ و((الأدب المفرد)) وغيرها. توفي سنة 256هـ.
[الأعلام للزركلي 5/258؛ وتذكرة الحفاظ 2/122؛ وتهذيب التهذيب 9/47؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/271 - 279؛ وتاريخ بغداد 2/4 - 36].
[7] الكوارة: بضم الكاف وفتح ما بعدها جمع كوارات، الموضع الذي يضع فيه النحل العسل، وهو مصنوع من الطين، أما الخلية لذلك فهي مصنوعة من الخشب. معجم لغة الفقهاء (1/386).
[8] عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد (1/20).
شروط المجتهد مع نماذج من اجتهادات الفقهاء
جاري تجهيز الصوت…
شروط المجتهد مع نماذج من اجتهادات الفقهاءشروط المجتهد:هناك أربعة شروط يجب توفرها في المجتهد:الأول: العلم بكتاب الله عز وجل وما تضمنه من الأحكام محكماً ومتشابهاً، وعموماً وخصوصاً، ومجملاً ومفسراً، وناسخاً ومنسوخاً.الثاني: العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله، وطرقها في التواتر والآحاد، والصحة والفساد، وما كان منها على سببٍ وإطلاقٍ.الثالث: العلم بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع ويجتهد في الرأي مع الاختلاف.الرابع: العلم بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها، حتى يجد المفتي طريقاً إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل، فهذا ما لا مندوحة للمفتي عنه ولا يجوز له الإخلال بشيء منه[1].شروط تقليد المذاهب في النوازل.قال الزَّنَاتيَ[2]: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقالُ من مذهبٍ إلى مذهب بثلاثة شروط:• ألا يجمع بينهما على وجهٍ يخالف الإجماع، كمن تزوَّج بغير صَدَاقٍ ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.• وأن يعتقد فيمن يُقلِّده الفَضْلِ بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رَمْياً في عَمَاية.• ألا يتتبع رخص المذاهب[3]. نماذج من اجتهادات الفقهاء:مسألة: اعلم أن المسألة إذا كانت ذات اختلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه فحكمها أن المجتهد في المذهب يختار من أقوالهم:ما هو أقوى دليلا، وأقيس تعليلا، وأرفق بالناس، ولذلك أفتى جماعات من علماء الحنفية على قول محمد[4] - رحمه الله - في طهارة الماء للمستعمل.وعلى قولهما: في أول وقت العصر والعشاء، وفي جواز المزارعة، وكتبهم مشحونة بذلك لا يحتاج إلى إيراد النقول.وكذلك الحال في مذهب الشافعي - رحمه الله - في المنهاج وغيره في الفرائض أن أصل المذهب، عدم توريث ذوي الأرحام، وقد أفتى المتأخرون عند عدم انتظام بيت المال بتوريثهم وقد نقل - فقيه اليمن - ابن زياد في فتاواه مسائل أفتى المتأخرون فيها بخلاف المذهب منها إخراج الفلوس من الزكاة المفروضة من النقدين، وعروض التجارة، أفتى البلقيني[5] بجوازه وقال أعتقد جوازه ولكنه مخالف لمذهب الشافعي - رحمه الله - وتبع البلقيني في ذلك البخاري[6].ومنها دفع الزكاة إلى الأشراف العلويين، أفتى الإمام فخر الدين الرازي بجوازه في هذه الأزمنة حين منعوا سهمهم من بيت المال وأضر بهم الفقر.ومنها بيع النحل في الكوارات[7] مع ما فيها من شمع وغيره، أجاب البلقيني بالجواز ونقل ابن زياد عن الإمام ابن عجيل أنه قال ثلاث مسائل في الزكاة يفتي فيها بخلاف المذهب نقل الزكاة ودفع الزكاة إلى واحد ودفعها إلى أحد الأصناف[8].[1] تعظيم الفتيا لابن الجوزي (1/68). [2] أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن عياش الزناتي - نسبة إلى زنات ناحية بسرقسطة بالأندلس - الغرناطي يُعرف بالكماد شيخ المالكية، كان إماماً فقهياً قائماً على المدونة ت 618هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 22/175. [3] جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير (2/447). [4] هو محمد بن الحسن بن فرقد. نسبته إلى بني شيبان بالولاء. أصله من (خرستا) من قرى دمشق، منها قدم أبوه العراق، فولد له محمد بواسط، ونشأ بالكوفة. إمام في الفقه والأصول، ثاني أصحاب أبي حنيفة بعد أبي يوسف. من المجتهدين المنتسبين. هو الذي نشر علم أبي حنيفة بتصانيفه الكثيرة. ولي القضاء للرشيد بالرقة، ثم عزله واستصحبه الرشيد في مخرجه إلى خراسان، فمات محمد بالري. من تصانيفه: ((الجامع الكبير))؛ و((الجامع الصغير))؛ و((المبسوط))؛ و((الزيادات)). وهذه كلها التي تسمى عند الحنفية كتب ظاهر الرواية. وله ((كتاب الآثار))؛ و((الأصل))، توفي سنة 189هـ. [الفوائد البهية ص 163؛ والأعلام للزركلي 6/309؛ والبداية والنهاية 10/202].[5] هو عمر بن رسلان بن نصير، البلقيني، والكنان أبو حفص، سراج الدين. شيخ الإسلام. عسقلاني الأصل. ولد في (بلقينة) بغريبة مصر. أقدمه أبوه إلى القاهرة وهو ابن اثنتي عشرة سنة فاستوطنها، واشتغل على علماء عصره. نال في الفقه وأصوله الرتبة العليا، حتى انتهت إليه الرئاسة في فقه الشافعية، والمشاركة في غيره. كان مجتهدا حافظا للحديث. وتأهل للتدريس والقضاء والفتيا، وولي إفتاء دار العدل وقضاء دمشق. من تصانيفه: ((تصحيح المنهاج)) في الفقه ست مجلدات؛ و((حواش على الروضة)) مجلدان؛ وشرحان على الترمذي، توفي سنة 805هـ. [الضوء اللامع 6/85؛ وشذرات الذهب 7/511؛ ومعجم المؤلفين 5/205].[6] هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أبو عبد الله، البخاري. حبر الإسلام، والحفاظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولد في بخارى، ونشأ يتيما، وكان حاد الذكاء مبرزا في الحفظ. رحل في طلب الحديث، وسمع من نحو ألف شيخ بخراسان والشام ومصر والحجاز وغيرها. جمع نحو 600 ألف حديث اختار مما صح منها كتابه ((الجامع الصحيح)) الذي هو أوثق كتب الحديث. وله أيضاً ((التاريخ))؛ ((الضعفاء))؛ و((الأدب المفرد)) وغيرها. توفي سنة 256هـ. [الأعلام للزركلي 5/258؛ وتذكرة الحفاظ 2/122؛ وتهذيب التهذيب 9/47؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/271 - 279؛ وتاريخ بغداد 2/4 - 36].[7] الكوارة: بضم الكاف وفتح ما بعدها جمع كوارات، الموضع الذي يضع فيه النحل العسل، وهو مصنوع من الطين، أما الخلية لذلك فهي مصنوعة من الخشب. معجم لغة الفقهاء (1/386).[8] عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد (1/20).