سطور الذهب من حديث الفضة والذهب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم إلى يوم الدين.. أما بعد..
اختلف العلماء -رحمهم الله- في العلة التي من أجلها حرم استعمال الذهب والفضة في غير المأذون به للنساء، فقال بعضهم: هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وقال بعضهم: هو هدف تربوي أخلاقي؛ فإن الإسلام يصون المسلم عن الانحلال والترف المفسدَيْن، وقال بعضهم: العلة هي كونهما نقدَين؛ فالذهب والفضة هما الرصيد العالمي للنقد التي تقوم به الأشياء وتحصل به المطالب والضرورات والحاجات، فاتخاذهما واستعمالهما أواني أو تحفاً ونحو ذلك، هو شل للحركة التجارية وتعطيل لقيم الحاجات والضروريات، بدون وجود مصلحة راجحة، وقال بعضهم: العلة في استعمالها هي ما يكسب القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرةً... والله تعالى أعلم، فله في شرعه أسرار وحِكَم، ولا مانع أن كل هذه العلل مقصودة[1].
نعود للمراد من هذه الأسطر فقد استقرت الشريعة الإسلامية على إباحة معدن الذهب والفضة في أصلهما، وإباحتهما للمرأة من أجل التزين والتجمل للزوج، قال الله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾[2]، وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ)[3].
واستعمالهما في الأكل والشرب؛ سواءً على هيئة أوانٍ، أو مما يتناول به الطعام، أو مما يستعمل في غيرهما [4]، مما أجمعت الأمة على حرمته[5] في حق الذكر والأنثى على السواء؛ للنصوص الصريحة في الدلالة على ذلك ومنها:
ما روى حذيفة -رضي الله عنه- عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ )[6].
وفي رواية عن عبدالله بن عكيم قال: كنا مع حذيفة - رضي الله عنه - بالمدائن فاستسقى حذيفة فجاءه دِهْقَانٌ [7]بشراب في إناء من فضة فرماه به وقال: إني أخبركم أني قد أمرته ألا يسقيني فيه، ثم ذكر الحديث[8].
وما روته أم سلمة -رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ)[9] ولا يكون وعيد إلا على محرم.
ما ذكر هو مسألة الاستعمال.. وبقي معنا مسألة الاتخاذ: والاتخاذ للزينة أو التحف وغيرها، يتقرر فيها ما تقرر في حكم الاستعمال للأكل والشرب ونحوهما لدخوله في المعنى الذي حرم من أجله الاستعمال؛ لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه، والعلة في الاستعمال هي السرف والخيلاء وهي موجودة في صورة الاتخاذ، فإن اعترض أحدهم بقوله: إنما نهي عنه للسرف والخيلاء؛ وهذا لا يوجب التحريم. قلنا ليس بصحيح؛ بل هو موجب للتحريم، وكم من دليل على تحريم الخيلاء! كما أوجب الشارع تحريم الحرير والمعنى فيهما واحد[10].
ختاماً، السعيد الموفق من سلم واستسلم لحكم الله- عز وجل- ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ [11]، و المعناد المكابر من أبى وسعى في خلاف ذلك.
وصلى الله وسلم على نبيا محمد وعلى آله وصحبة وسلم أجمعين.
[1] توضيح الأحكام من بلوغ المرام، البسام، 1 /124-125 باختصار يسير.
[2] سورة الزخرف آية: 18.
[3] سنن الترمذي، حديث رقم (1639).
[4] مثل: الأواني أو الكاسات المضببة بخطوط أو إطارات من الذهب، والأقلام، والساعات، والهواتف النقالة التي تطلى بعيار كذا من الذهب، والسيارات، والمكاحل، وقوارير الذهب أو الفضة التي تستعمل لماء الورد أو الأدهان العطرية، ومقابض الأبواب وغيرها... وذكر الأكل والشرب من باب الغالب؛ كقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا ﴾ جزء من آية رقم (103) سورة آل عمران.
[5] انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 10/97، وشرح صحيح مسلم للنووي 14/224، في نقل الإجماع عن ابن المنذر في تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، وانظر شرح صحيح مسلم للنووي 14/224.
[6] صحيح البخاري، حديث رقم (5633).
[7] كبير فلاحي القوم أو رئيس القرية أو الإقليم.
[8] صحيح مسلم، حديث رقم (2067).
[9] صحيح البخاري، حديث رقم (5634).
[10] المجموع للنووي 1/305 بتصرف يسير.
[11] جزء من آية رقم (13) سورة الرعد.
سطور الذهب من حديث الفضة والذهب
جاري تجهيز الصوت…
سطور الذهب من حديث الفضة والذهبالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم إلى يوم الدين.. أما بعد.. اختلف العلماء -رحمهم الله- في العلة التي من أجلها حرم استعمال الذهب والفضة في غير المأذون به للنساء، فقال بعضهم: هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وقال بعضهم: هو هدف تربوي أخلاقي؛ فإن الإسلام يصون المسلم عن الانحلال والترف المفسدَيْن، وقال بعضهم: العلة هي كونهما نقدَين؛ فالذهب والفضة هما الرصيد العالمي للنقد التي تقوم به الأشياء وتحصل به المطالب والضرورات والحاجات، فاتخاذهما واستعمالهما أواني أو تحفاً ونحو ذلك، هو شل للحركة التجارية وتعطيل لقيم الحاجات والضروريات، بدون وجود مصلحة راجحة، وقال بعضهم: العلة في استعمالها هي ما يكسب القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرةً... والله تعالى أعلم، فله في شرعه أسرار وحِكَم، ولا مانع أن كل هذه العلل مقصودة[1]. نعود للمراد من هذه الأسطر فقد استقرت الشريعة الإسلامية على إباحة معدن الذهب والفضة في أصلهما، وإباحتهما للمرأة من أجل التزين والتجمل للزوج، قال الله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾[2]، وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ)[3]. واستعمالهما في الأكل والشرب؛ سواءً على هيئة أوانٍ، أو مما يتناول به الطعام، أو مما يستعمل في غيرهما [4]، مما أجمعت الأمة على حرمته[5] في حق الذكر والأنثى على السواء؛ للنصوص الصريحة في الدلالة على ذلك ومنها:ما روى حذيفة -رضي الله عنه- عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ )[6]. وفي رواية عن عبدالله بن عكيم قال: كنا مع حذيفة - رضي الله عنه - بالمدائن فاستسقى حذيفة فجاءه دِهْقَانٌ [7]بشراب في إناء من فضة فرماه به وقال: إني أخبركم أني قد أمرته ألا يسقيني فيه، ثم ذكر الحديث[8]. وما روته أم سلمة -رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ)[9] ولا يكون وعيد إلا على محرم. ما ذكر هو مسألة الاستعمال.. وبقي معنا مسألة الاتخاذ: والاتخاذ للزينة أو التحف وغيرها، يتقرر فيها ما تقرر في حكم الاستعمال للأكل والشرب ونحوهما لدخوله في المعنى الذي حرم من أجله الاستعمال؛ لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه، والعلة في الاستعمال هي السرف والخيلاء وهي موجودة في صورة الاتخاذ، فإن اعترض أحدهم بقوله: إنما نهي عنه للسرف والخيلاء؛ وهذا لا يوجب التحريم. قلنا ليس بصحيح؛ بل هو موجب للتحريم، وكم من دليل على تحريم الخيلاء! كما أوجب الشارع تحريم الحرير والمعنى فيهما واحد[10]. ختاماً، السعيد الموفق من سلم واستسلم لحكم الله- عز وجل- ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ [11]، و المعناد المكابر من أبى وسعى في خلاف ذلك. وصلى الله وسلم على نبيا محمد وعلى آله وصحبة وسلم أجمعين.[1] توضيح الأحكام من بلوغ المرام، البسام، 1 /124-125 باختصار يسير.[2] سورة الزخرف آية: 18.[3] سنن الترمذي، حديث رقم (1639).[4] مثل: الأواني أو الكاسات المضببة بخطوط أو إطارات من الذهب، والأقلام، والساعات، والهواتف النقالة التي تطلى بعيار كذا من الذهب، والسيارات، والمكاحل، وقوارير الذهب أو الفضة التي تستعمل لماء الورد أو الأدهان العطرية، ومقابض الأبواب وغيرها... وذكر الأكل والشرب من باب الغالب؛ كقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا ﴾ جزء من آية رقم (103) سورة آل عمران.[5] انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 10/97، وشرح صحيح مسلم للنووي 14/224، في نقل الإجماع عن ابن المنذر في تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، وانظر شرح صحيح مسلم للنووي 14/224.[6] صحيح البخاري، حديث رقم (5633).[7] كبير فلاحي القوم أو رئيس القرية أو الإقليم.[8] صحيح مسلم، حديث رقم (2067).[9] صحيح البخاري، حديث رقم (5634).[10] المجموع للنووي 1/305 بتصرف يسير.[11] جزء من آية رقم (13) سورة الرعد.