القاعدة المقاصدية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
 
أما بعد:
كما مَرَّ معنا في مقال سابق، فمقاصد الشريعة لغة: جمع مقصد، وهو المراد.
وشرعًا: هي المصالح التي أُنزِلت الشريعة لتحقيقها، وتَنقسِم إلى: مقاصد عامة، ومقاصد خاصة، المقاصد العامة: تَرجع لها جميع أحكام الشريعة وهي: حِفْظ الدين، وحِفْظ النَّفْس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وأما المقاصد الخاصة: فهي الغايات التي شُرِّعت لأجلها الأحكام الجزئيَّة، وتُقسَّم المقاصد عمومًا إلى: مصالح ضرورية، ومصالح حاجيَّة، ومصالح تحسينية.
 
المصالح الضرورية:
هي التي إن فاتت فسَدتْ دنيا الإنسان أو آخرته، كمصلحة الزواج، وإقام الصلاة، ومَنْع السرقة.
 
وأما الحاجيات:
فهي المصالح التي إن فاتت أصاب الإنسانَ الحَرَجُ والمشقة؛ كالتيمم عند وجود العُذْر، وقوانين السير وغير ذلك.
 
وأما التحسينات:
فهي المصالح التي تُكمِّل حياة الإنسان أو آخرته كأداء النوافل، واستعمال العطور.
 
وقد أمر الشرعُ باعتبار هذه المقاصد وحثَّ على تحقيقها؛ قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، وقال أيضًا: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]، وقال أيضًا: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((يَسِّروا ولا تُعسِّروا وبشِّروا ولا تُنفِّروا))، وقد أجمع علماء الأمة على أن الشريعة مبنيَّة على جَلْب المصالح ودَرء المفاسد.
 
وعند تَعارُض المصالح، فالقاعدة تقديم حِفْظ الدين على النَّفس والعقل والنسل والمال، وحفظ النفس يُقدَّم على العقل والنسل والمال، وحفظ العقل يُقدَّم على النسل والمال، وحفظ النسل يُقدَّم على المال، وكذلك تُقدَّم الضروريات على الحاجيات والتحسينات، وتُقدَّم الحاجيات على التحسينات.
 
نسأل الله عز وجل أن يتقبَّل منا جميعًا، وأن يغفر ذنوبنا ويُبارِك في عملنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.