القتل رحمة أو القتل بدافع الشفقة
بين الإسلام والغرب


على الرغم مما أحرزته الحضارة الغربية من تقدّم مادي وتكنولوجي، فإن الحضارة العربية الإسلامية تظلُّ هي الحضارةَ السامية؛ لأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه رب البرية للناس؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، ولأنه الدين الأبقى والأصلح؛ لما يتميَّز به من طابع إنساني يقوم على احترام آدمية الإنسان أيًّا كانت ديانته أو جنسيته؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].
 
ولقد وصلت الحضارة الغربية إلى قمة انهيارها وفسادها عندما أهدرت قيمة البشر، وحوَّلتهم إلى مجرَّد آلات تعمل، فإذا توقَّفت عن العمل لمرض أو عجز أو شيخوخة فلا سبيل إلى صيانتها، ولكن يجب التخلص منها!
 
فأصحاب هذه الحضارة المادية يُبيحون القتل ويسهِّلون سُبُلَه، ويقدِّمون الوصفات السحرية للانتحار والتخلص من الحياة لمن يرغب في ذلك، فما هو القتل بدافع الشفقة والرحمة؟ وما موقف الإسلام والغرب منه؟ هذا ما سنَعرِضه في هذا المقال.
 

تعريفه: هو وضْع حدٍّ لحياة مريض لا يُرجى شفاؤه؛ بقصد تخليصه من آلامه المبرحة.
 
قد يكون إيجابيًّا؛ كما حدث في عام 1949 حينما قَتَلت فتاة تُدعى كارول - وكانت تبلُغ من العمر وقتها 21 عامًا - والدَها المريض بمرض السرطان أثناء زيارتها له في أحد المُستشفيات لكي تُخلِّصه من آلامه، بأن أطلقت عليه رصاصة من مسدسها استقرت في رأسه فمات، وأخلَت المحكمة سبيلها بعد المُداولة.
 
وفي عام 1950 لم يجد الطبيب ساندر طريقة لتخليص مريضه من آلامه التي يُعانيها بسبب السرطان إلا بحقنه في الوريد، وقد قرَّر أثناء محاكمته أنه يعلم أنه يُخالف القانون، لكنه لم يرتكب إثمًا من الناحية الأخلاقية؛ لأن الأخلاق في زعمه تجعل له الحق في ذلك، وأخلت المحكمة أيضًا سبيله.
 
وقد يكون سلبيًّا؛ بالامتناع عن علاج المريض، أو وقف وسائل الإنعاش عنه حتى يَموت، والإسكيمو في كندا كانوا يتركون كبار السن على الجليد حتى يتمكَّنَ منهم البرد القارس فتنتهي حياتهم بالموت.
 
أما في اليابان فقد كانوا يَقتادون كبار السنِّ إلى ربوة عالية تُسمى ربوة la colline de la mort الموت، ثم امتدَّ ليشمل الأطفال المعاقين، ثم المرضى بمرض عضال.
 
والمسيو جاك أتالي (مستشار الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران) يقرُّ هذا القتل؛ حيث يقول: "إنني أعتقد أن إطالة العمر لم تعد هدفًا مرغوبًا فيه في منطق مجتمعنا الصناعي، فالماكينة الإنسانية ما دامت تُنتِج فهي تستحق البقاء والصيانة، فإذا تجاوزت عمرها الإنتاجي كانت تكاليف صيانتها خسارة اقتصادية، والتخلص منها لا يكون بتركها تتآكل ولكن بإعدامها مرة واحدة، والإنسان الذي بلغ الستين أو الخامسة والستين وتوقَّفَ عن الإنتاج، يُصبح استمراره في الحياة عبئًا على طائفة المنتجين (مقال أحمد أبو زيد في الوعي الإسلامي، عدد 348 يناير 95).
 
وأما القس الإنجليزي روجيه باكون فيقول: إن على الأطباء أن يعملوا على إعادة الصحة إلى المرضى وتخفيف آلامهم، ولكن إذا وجدوا أن شفاءهم لا أمل فيه، يَجب عليهم أن يُهيئوا لهم موتًا هادئًا وسهلاً.
 
وقد تكوَّنت في إنجلترا جمعية باسم "القتل بدافع الرحمة"، طالبت السلطات سنة 1936 بإباحة الإجهاز على المريض الميئوس من شفائه، وتكرَّر الطلب فرُفض، كما تكونت جمعية لهذا الغرض في أمريكا وباء مشروعها بالفشل سنة 1938، وما زالت هذه الدعوى تكسب أنصارًا في هذه البلاد.
 
رأي الإسلام:
الحياة مقدَّسة، والقتل من أكبر الكبائر؛ لأن الإنسان لا يملك جسده؛ لكنه ملك لخالقه، وعليه أن يعيد الجسد بالحالة التي تلقاها عليها، فهو كالمودَع لدَيه ملتزِم بردِّ الوديعة، والإسلام حرَّم قتْل الإنسان لأخيه الإنسان؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93].
 
ولم يَقتصِر على ذلك، بل حرم قتل الإنسان لنفسه؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - يقول: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، ويقول أيضًا: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الإسراء: 33]، ويقول كذلك: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32]، وفي الحديث: ((لا يحلُّ دم امرئ مُسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المُفارق للجماعة))؛ البخاري ومسلم، وفي الحديث كذلك: ((من تحسَّى سمًّا فقتَل نفسه، فسمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)).
 
ولم يُجِز الرسول قتل المصابين في الحروب؛ ففي كل الغزوات كان هناك مصابون من الصحابة بإصابات قاتلة، وكانوا يُعانون من آلام مبرحة، ومع ذلك لم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل هؤلاء ليُخلِّصهم من آلامهم، ولم يُبادر أحد من الصحابة إلى هذه الفعلة الشَّنعاء بالمصابين؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((كان فيمَن قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينًا فحزَّ بها يده فما رقأ الدم حتى مات [ظل الدم يَنزِف منه حتى مات] قال الله - عز وجل -: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة))؛ البخاري ومسلم، والحديث معروف في تحريم الانتحار عامة، فالمُنتحِر يعذَّب في النار بالصورة التي انتحر بها، وهو عاصٍ بفعله، فإن عاش بعد محاولته قتل نفسه فتاب، صحَّت توبته، والجمهور على أن قاتل نفسه يُغسَّل ويُصلَّى عليه، وقد استحبَّ قوم للإمام ألا يُصلي عليه، بل يُصلي عليه غيره من الناس، ويُدفَن في مقابر المسلمين؛ لأن فعله لم يُخرجه من الملَّة، ولم يقل أحد من علماء المذاهب الأربعة بكفره، والله أعلم.
 
وفي رواية للبخاري ومسلم أيضًا: "إن رجلاً مسلمًا قاتل في خيبر قتالاً شديدًا ومات، فلمَّا أُخبِر به الرسول قال: ((إنه من أهل النار))، فعجب الصحابة لذلك ثم عرفوا أنه كان به جرح شديد فلم يصبر عليه، فوضَع نصل سيفه بالأرض وجعل ذبابه (أي طرفه) بين ثدييه ثم تحامل على نفسه حتى مات"، وتقول رواية الحديث: إن الرسول أمر بلالاً أن ينادي في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا نفْس مسلمة.
 
رأي الدكتور القرضاوي: لا يجوز شرعًا أن يَقتُل الإنسان مريضًا؛ لأن فيه عملاً إيجابيًّا من الطبيب بقصد قتل المريض والتعجيل بموته بإعطائه جرعة عالية من دواء يتسبَّب في موته أو مادة سامة سريعة التأثير، أو صعقه كهربائية أو بآلة حادة، فكل ذلك قتل وهو محرَّم، ويعد من الكبائر الموبقة، ولا يزيل عنه صفة القتل أن دافعه هو الرحمة بالمريض وتخفيف معاناته، فليس الطبيب بأرحم به من خالقه، وليترك أمره إلى الله واهب الحياة للإنسان، وهو وحده الذي يسلبها في أجلها المسمَّى عنده.
 
هل يجوز الاتفاق بين المريض والطبيب على القتل؟
إن العلاقة بين الطبيب والمريض هي عقد علاج طبي، أما هذا الاتفاق فهو ما يُسمى بعقد تيسير الموت، وهو باطل بطلانًا مطلقًا في حكم القانون، ومخالف لنصِّ المواد 230 من قانون العقوبات وما بعدها، ويرى الدكتور القرضاوي أن العلاج والتداوي ليس بواجب عند جماهير الفقهاء وأئمة المذاهب، بل هو في دائرة المُباح عندهم، وإنما أوجبه طائفة قليلة كما قال بعض أصحاب الشافعي وأحمد، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعضهم أثَّمه، بل قد تنازَع العلماء أيهما أفضل التداوي أم الصبر، ومنهم من قال: إن الصبر أفضل؛ لحديث ابن عباس في الصحيح عن الجارية التي كانت تُصرَع ويُصيبها الصرع، وسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها فقال: ((إن شئتِ صبرت، وإن شئتِ دعوتُ الله لك))، فقالت: بل أصبر ولكني أتكشَّف، فادع الله ألا أتكشَّف، فدعا لها ألا تتكشَّف.
 
والخلاصة: إن القتل بدافع الشفقة إن كان محرمًا شرعًا إلا أن إطالة فترة الاحتضار أمر غير مرغوب فيه شرعًا؛ لأنه تعذيب للمريض، فضلاً عن أنها إطالة لا فائدة منها ما دام قد ثبت أن حالة الاحتضار ذاهبة به إلى الموت، كما أن بقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفقات كثيرة دون طائل، ويحجز أجهزة قد يحتاج إليها غيره ممن يُرجى شفاؤهم فهم أولى بالرعاية، والله أعلم.