من نفحات علم الأصول (1)
ربما تعارَض نصان على المكلَّف في العمل، مع ثبوتهما جميعًا، وامتناع القول بنسخ أحدهما، ولا يتساقطان كذلك؛ إذ لا بد من قيامِه بواحد منهما، وذلك كمن أراد الجلوس في المسجد في أحدِ أوقات النهيِ عن الصلاة، فإنه مأمورٌ بصلاة ركعتين قبل الجلوس، منهيٌّ عن إيقاعهما في ذلك الزمان خاصةً، فحينئذٍ يترجَّح تقديمُ النهي على الأمر، فيجلس دون صلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا ذكَر الأمر، قال: ((إذا أمرتُكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم))، فقيَّده بالاستطاعة، ولما عَرَض للنهي، قال: ((وإذا نهيتُكم عن شيء، فانتهوا))، ولم يذكر قيدًا، فترجَّح أنهما إذا تعارضا أحاط ما لا شرطَ فيه بما دخَله الشرطُ، ففي المثال المذكور يعتذر الجالسُ عن تركِ الصلاة بالعجز شرعًا، لا حسًّا!ومن هذه البابةِ قولهم: درءُ المفاسد مقدَّمٌ على جَلْبِ المصالح؛ لأن التقديم والتأخير لا يكونان إلا عند تعذُّر الجمعِ، وهو عين ما ذكرناه آنفًا من "التعارض في العمل"، ولما كانت المفاسدُ أكثرُها نواهٍ، وكانت المصالح أكثرُها أوامرُ، قُدِّم دَرءُ الأُولى على جَلْب الثانية؛ تقديمًا للنهي على الأمر.
وأدقُّ من هذا وألطفُ مصيرُ أكثر الفقهاء إلى أن امتناعَ المُكرَهِ عن التلفُّظِ بكلمة الكفر، أو عن قتل إنسانٍ - أفضلُ من فِعل ذلك، وما ذاك إلا من تعظيم الشريعة وإجلالها.
وأما أكلُ المضطرِّ الميتةَ، فليس من تقديم الأمرِ على النهي؛ إذ لا نهيَ هناك، وإنما هي مباحة له في زمان الضرورة؛ ولذلك إذا امتنع عن أكلِها حتى هلك، أَثِم؛ لكونه امتنع عن مباحٍ أفضى به إلى حرام، وهو إتلافُ نفسه، والله أعلم.