صدقة الفطر
أحكام فقهية وحكم تشريعية

لقد أوجب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صدقةَ الفطر على جميع المسلمين، يُخرجها المسلم عن نفسه ومن يعول؛ صغيرهم وكبيرهم، ذكَرهم وأنثاهم، حُرهم ومملوكهم، صاعًا من طعام عن كل فرد مسلم من غالب قوت أهل البلد، ولا يجب التقيُّد بالأصناف الخمسة التي وردت في بعض الآثار؛ التمر والشعير والأَقِط والزبيب والبُرِّ، بل يتحرَّى المسلم أن يُخرجَها من أنفعِ أنواع الأطعمة للمتصدَّقِ عليه، ويختلف ذلك باختلاف البلدان والأقطار؛ قال ابن القيم - رحمه الله -: "وهذا قول جمهور العلماء، وهو الصوابُ الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود فَكُّ خَلَّةِ المساكين يوم العيد، ومواساتهم في جنس ما يقتاتُه أهل بلدهم".
 
والواجب إخراجها قبل صلاة العيد، ويحرُم تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد؛ للحديث: ((من أدَّاها قبل الصلاةِ، فهي زكاةٌ مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة، فهي صدقةٌ من الصدقات))، ويجوز تعجيلُها قبل العيد بيومٍ أو يومين؛ لثبوت ذلك عن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم.
 
وتُصرَف للفقراء والمساكين؛ لما ثبَت من حديث ابن عباسٍ - رضي الله عنه -: "فرض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زكاةَ الفطر طُهْرةً للصائمِ مِن اللَّغو والرَّفث، وطُعْمةً للمساكين".
 
ولا يجوزُ إخراج القيمة، بل الواجب إخراجُها طعامًا عند جمهور العلماء؛ لقوله: ((طُعمةً للمساكين))، واتباعًا لسنَّة النبي العملية - صلى الله عليه وسلم - وسنَّة أصحابه من بعدِه، وجمهور الأئمَّة.
 
وصدقة الفطر كما قال أديبُ الفقهاء علي الطنطاوي: "صدقةٌ من نوعٍ نادر، وتضامن بين الناس لا نظيرَ له في التشريعات والأديان الأخرى، وهي تكاد تجبُ على الناس كلِّهم، وربما دفَعها واحد عن نفسِه وأخذ مقابلها عشرًا من صدقاتِ غيره".
 
وإن من أروعِ حِكَمِ تشريع هذه الصدقة - والله أعلم - تعويدَ الفقيرِ الإنفاقَ، وتحويلَه من آخذٍ إلى مُعطٍ؛ ليستشعر عزةَ صاحب اليد العليا، وينالَ خيرية البذل والعطاء، ولو مرة واحدة في السنة.
 
فكل مَن ملَك ما يزيد عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، وجَب عليه إخراجها، مواساةً للفقراء الآخرين، وليُكفى صاحبُ الحاجة ذلَّ السؤال، وتشبَعَ البطون الجائعة في يوم العيد؛ يوم الفرح والسرور، والسعادة والحبور.