دستور القضاء في الإسلام
المساواة في الحقوق القضائية في الشريعة الإسلامية (1)

تمهيد:
إن من أسباب بعثة الرسل إقامة العدل؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25].
 
وعدالة الله لا تفرِّق بين الناس: صغيرهم وكبيرهم، أميرهم وحقيرهم، غنيهم وفقيرهم، أمام القضاء سواء، قال - تعالى -: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42].
 
ولقد كانت أول خطبة لأبي بكر - رضي الله عنه -: "أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه"[1].
 
وبهذه المبادئ العادلة يشعر كلُّ شخص في المجتمع الإسلامي أن القوانين والتشريعاتِ ما جاءت إلا لمصلحته وحمايته.
 
ومن ناحية ثانية، فإنه لمن السهل أن يعرف القاضي حكمَ مسألة معينة، ولكن ليس من السهل معرفةُ القاضي لصاحب الحق، ومن هو الظالم، وهذه الناحية تتطلب من القاضي موهبةً وفراسة، إلى جانب العقل والعلم؛ قال - تعالى -: ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاً آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [الأنبياء: 78، 79].
 
أما وسائل إقامة العدالة في الأرض، فإن الشريعة الإسلامية تركت تفصيل هذه الوسائل لاجتهاد العلماء وتطور الزمن.
 
دستور القضاء في الإسلام:
أول مَن حدد دستور القضاء في الشريعة الإسلامية، هو سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الرسالة التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال فيها: "إن القضاء فريضة محكمة، وسنة متَّبعة، فافهم إذا أدلي إليك، وأَنفِذ إذا تبيَّن لك؛ فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ فيه، وسوِّ بين الناس في مجلسك، ووجهك، وعدلك؛ حتى لا ييئس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك، البيِّنة على من ادَّعى، واليمين على مَن أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالاً، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، ثم راجعت فيه نفسك، وهُدِيت فيه لرشدك - أن تراجع الحق؛ فإن الحق ومراجعته خيرٌ من الباطل والتمادي فيه، الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرِك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، وقِسْ الأمور عندك، واعمد إلى أحبها إلى الله - تعالى - وأشبهها بالحق فيما ترى.
 
واجعل للمدَّعي حقًّا غائبًا، أو بينةً أجلاً ينتهي إليه؛ فإن أحضر بيِّنته أخذ بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء؛ فإن ذلك أجلى للعمى، وأبلغ في العذر.
 
والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجربًا عليه شهادة الزور، أو ظنينًا في ولاء أو نسب؛ فإن الله - تعالى - تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم بالبينات والأيمان.
 
وإياك والقلقَ والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذخر؛ فإنه من يُصلحْ ما بينه وبين الله - ولو على نفسه - يَكْفِه الله ما بينه وبين الناس، ومَن تزيَّن للناس بغير ما يعلم الله منه، شانه الله، فما ظنك بثواب الله - تعالى - في عاجل رزقه، وخزائن رحمته"[2].
 
هذه هي نصوص الدستور الذي وضعه عمر - رضي الله عنه - في القضاء، فقد حدَّد فيه الحكم الشرعي للقضاء، بأنه فريضة محكمة، وسنة متبعة، ثم بيَّن فيه أن روح الحق والعدالة هي في نفس القاضي وفي روحه، وليس في النصوص فحسب.
 
ثم بيَّن فيه حقوق وواجبات المتقاضيين إزاء بعضهما البعض إزاء القضائي، وبيَّن في دستوره - رضي الله عنه - شروط القضاء، وأهميةَ الصلح بين الناس بدلاً من تطبيق نصوص الأحكام القضائية الجافة، ثم بيَّن فيه شروط القاضي وآداب القضاء.
 
ولقد كان من دستور عمر - رضي الله عنه - في القضاء، أنه لم يكن ليتدخل أبدًا في عمل قاضٍ قضى بشيءٍ، فقد "أُتِي عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - برجلٍ من قريش وُجِد مع امرأة في مَلْحَفتِها، ولم تَقُم البينة على غير ذلك، فضربه عبدالله بن مسعود أربعين، وأقامه للناس، فانطلق قوم إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقالوا: فضح منا رجلاً، فقال عمر لعبدالله: بلغني أنك ضربت رجلاً من قريش، فقال: أجل؛ أُتِيت به قد وُجِد مع امرأة في ملحفتها، ولم تقم البينة على غير ذلك؛ فضربته أربعين، وعرفته للناس، فقال عمر: أرأيت ذلك؟ قال: نعم، قال: نِعْم ما رأيتَ، قالوا: جئنا نَستَعدِيه عليه، فاستفتاه"[3].
 
وهكذا فقد كان دستور عمر - رضي الله عنه - أولَ دستور قضائي، لا يتدخل رئيس الدولة فيه في حكم القاضي، ويُثبِت عمليًّا استقلال القضاء في الإسلام.
 
• من أسباب بعثة الله للرسل: إقامة العدل في الأرض.

• في المجتمع الإسلامي: القوانين والتشريعات ما جاءت إلا لمصلحته.



[1] الكامل في التاريخ، ابن الأثير، 2/ 160.


[2] تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، ابن فرحون، 1/ 28.


[3] نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي (السلطة القضائية)، ظافر القاسمي، ص 188.