اتخاذ المال على تعليم القرآن والإجازة
الإمتاع بفتاوى التلاوة والاستماع (30 - 31)
(فتاوى وأحكام شرعية حول تلاوة وسماع الآيات القرآنية)

يجوز لمعلِّم القرآن أن يأخذ مالاً من المستطيع على تعليمه القرآن؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله))[1].
 
وهو قول الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأكثر العلماء.
 
هذا وينبغي أن لا يكون المال شرطًا للتعليم؛ فقد يكون الطالب غير قادر على أداء هذا المال لمعلِّم القرآن، قال الشعبي: "لا يشترط المعلم وإن أعطي شيئًا فليقبله"[2].
 
ونقل العلامة السيوطي عن أبي الليث السمرقندي، أنه قال: التعليم على ثلاثة أوجه:
أحدها: للحسبة، ولا يأخذ به عوضًا.
والثاني: أن يعلم بالأجرة.
والثالث: أن يعلم بغير شرط، فإذا أهدي إليه قَبِل.
 
فالأول مأجور، وعليه عمل الأنبياء، والثاني مختلف فيه، والأرجح الجواز، والثالث يجوز إجماعًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معلمًا للخلق، وكان يقبل الهدية[3]؛ انتهى.
 
وينبغي للمعلم أن يأخذ هذا المال من غير مسألة، ولا إشراف نفس؛ فقد قال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء، فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: ((خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك"[4].
 
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من بلغه معروف عن أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس[5] فليقبله، ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه))[6].
 
قال الشيخ عطية صقر - رحمه الله -:
وما دام الجمهور قد أجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن - وبِخاصة إذا كانت بسخاء نفس تشبه الهدية - فلا مانع من أخذ هذا المقابل، مع الوصية بعدم الحرص الشديد عليه، وإيثار ثواب الله على أجر الدنيا، هذا وقد جاء في تفسير القرطبي لقوله - تعالى -: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [البقرة: 41]، أن الأحبار كانوا يعلِّمون دينهم بالأجرة، فنُهُوا عن ذلك، ثم قال: وهذه الآية، وإن كانت خاصة ببني إسرائيل؛ فهي تتناول مَن فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرًا؛ فقد دخل في مقتضى الآية، وقد روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من تعلَّم علمًا مما يبتغى به وجه الله - عز وجل - لا يتعلمه إلا ليُصِيب به عرضًا من الدنيا؛ لم يجد عرف الجنة يوم القيامة؛ يعني: ريحها[7] [8].
 
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من سُئِل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار))[9]، والله أعلم.
 
طلب المال على الإجازة:
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله -: "ما اعتاده كثير من مشايخ القراء من امتناعهم من الإجازة إلا بأخذ مال في مقابلها لا يجوز إجماعًا، بل إن علم أهليته وجب عليه الإجازة أو عدمها حرم عليه، وليست الإجازة مما يقابل بالمال، فلا يجوز أخذه عنها ولا الأجرة عليها[10]، والله أعلم".



[1]صحيح: رواه البخاري (5405) (5/2166).


[2] أثر صحيح: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (20833) (4/340)، وعلقه البخاري (2/795).


[3] كذا قال السيوطي في الإتقان (1 /300).


[4] صحيح: رواه البخاري (1404) (2/536)، (6744) (6/2620)، ومسلم (1045) (2/723).
(وما لا)؛ أي: والذي لم يأتك على هذه الصفة.
((فلا تتبعه نفسك))؛ أي: فاتركه ولا تتعلق نفسك به، كذا قال الدكتور مصطفى البغا.


[5] الإشراف: اللهفة، والتطلع، والحرص الشديد على تحصيل الشيء.


[6] صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (3404) (8/195)، (5108) (11/509)، والحاكم (2363) (2/71) وأحمد (17965) (4/220)، والطبراني في الكبير (4124) (4/196)، (5241) (5/248)، وأبو يعلى في مسنده (925) (2/226)، والبيهقي في الشعب (3551) (3/281)، والحارث في مسنده (309) (1/403)، وابن عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (2563) (5/26).


[7] صحيح: رواه أبو داود (3664) (2/346)، وأحمد (8438) (2/338)، والخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل (102) (1/65).


[8] فتاوى الأزهر (7/458).


[9] صحيح: رواه أحمد (10425) (2/495)، (8623) (2/353)، (8514) (2/344)، (8035) (2/305)، (7930) (2/296)، (7561) (2/263)، وأبو داود (3658) (2/345)، والترمذي (2649) (5/29)، وابن ماجة (264) (1/97)، (266) (1/98)، والحاكم (344) (1/181)، (345) (1/182)، والطبراني في الكبير (8251) (8/344)، (10089) (10/102)، (11310) (11/145)، وفي الأوسط (2290) (2/382)، (3322) (3/335)، (3529) (4/29)، (3921) (4/183)، (5027) (5/186)، وفي الصغير (160) (1/112)، (315) (1/198)، (452) (1/275)، وأبو يعلى في مسنده (2585) (4/458)، والبيهقي في الشعب (1743) (2/275)، (1745) (2/276)، والقضاعي في الشهاب (432) (1/266)، (433) (1/267)، وابن المبارك في الزهد (399) (1/119)، والشاموخي في أحاديثه (34) (1/52)، وتمام الرازي (1557) (2/213).


[10] الإتقان (1 /299).