الدعاء والذكر (7)
10- ومن الدَّعوات المستجابات دعوةُ مَن كان يحضرُ مجالس الذِّكر.
• عن أبي هُرَيرة - أو عن أبي سعيدٍ - قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ لله ملائكة سيَّاحين في الأرض... فإذا وجَدُوا أقوامًا يَذكُرون اللهَ تنادوا: هَلُمُّوا إلى بُغيَتِكم، فيجيئون، فيحفُّون بهم إلى السَّماء الدُّنيا.
♦ فيقول الله: أيَّ شيء تركتُم عبادي يصنَعُون؟
♦ فيقولون: ترَكْناهم يحمَدُونَك ويمجِّدونك ويَذكُرونك.
♦ فيقول: هل رأَوْني؟
♦ فيقولون: لا.
♦ فيقول: كيف لو رأَوْني؟
♦ فيقولون: لو رأَوْك لكانوا أشدَّ تحميدًا، وأشدَّ لك ذكرًا.
♦ فيقول: وأيَّ شيءٍ يطلُبون؟
♦ فيقولون: يطلُبون الجنَّةَ.
♦ فيقول: هل رأَوْها؟
♦ فيقولون: لا.
فيقول: كيف لو رأَوْها؟
فيقولون: لو رأَوْها لكانوا أشدَّ طلبًا لها، وأشدَّ عليها حِرصًا.
فيقول: فمِن أيِّ شيءٍ يتعوَّذون؟
فيقولون: يتعوَّذون من النار.
فيقول: هل رأَوْها؟
فيقولون: لا.
فيقول: كيف لو رأَوْها؟
فيقولون: لو رأَوْهما لكانوا أشدَّ منها هربًا، وأشدَّ منها خوفًا.
فيقول: أُشهِدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم.
فيقولون: إنَّ فيهم فلانًا الخطَّاء لم يُرِدْهم؛ وإنما جاءَ لحاجةٍ.
فيقول: هم القومُ لا يشقَى بهم جليسٌ))؛ رواه البخاري 6408، ومسلم 2689، والترمذي 3600.
فهؤلاء قومٌ كانوا في مجلسِ ذكرٍ يحمَدُون الله ويُمجِّدونه، سألوا اللهَ الجنةَ، واستَعاذُوا به من النارِ، واستغفَرُوه، فاستجابَ لهم وغفَر لهم؛ إذًا فدعوة مَن كان في مجلس ذكرٍ مستجابةٌ، وكذلك كان شأن الرجل الذي ليسَ منهم، وجاءَ إليهم لحاجةٍ، غُفِرَ له معهم.
ألا ما أعظم رحمةَ الله، وما أعظم كرمَه، وما أوسعَ مغفرتَه - سبحانه وتعالى!
♦ ♦ ♦
هذا، وكلُّ مجلسٍ لا يُذكَر اللهُ فيه فهو حسرةٌ على صاحبه؛ عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: ((ما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يَذكُروا اللهَ فيه، ولم يُصَلُّوا على نبيِّهم، إلا كان عليهم تِرَةً؛ فإنْ شاء عذَّبهم، وإنْ شاء غفَر لهم)).
والتِّرَةُ: النقص والحسرة والندامة؛ رواه أبو داود 4855، والترمذي 3380.
ومن آداب الدُّعاء والذِّكر ألا يرفَعَ المرءُ صوتَه عاليًا، فقد عقَد البخاري بابًا في "صحيحه" عنوانه: (باب ما يُكرَه من رفع الصوت في التكبير)، وأورد فيه حديثَ أبي موسى الأشعري الذي قال: كُنَّا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ؛ فكُنَّا إذا علَوْنا كبَّرنا، وإذا أشرَفْنا على وادٍ هلَّلنا وكبَّرنا ارتفعَتْ أصواتُنا، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((يا أيها الناسُ، اربَعُوا على أنفُسِكم؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّه معكم، إنَّه سميعٌ قريبٌ))؛ "صحيح البخاري" برقم 2992.
♦ الدعاء سِلاحُ المؤمن، وهو سلاحٌ فعَّال لا تُخطِئُ سهامُه، لجَأ إليه الأنبياءُ - صلواتُ الله عليهم - من آدمَ إلى خاتمهم محمدٍ رسولِ الله، كما جاء في القُرآن الكريم، ولجأ إليه الصحابةُ والتابعون لهم بإحسانٍ، والصالحون في كلِّ زمان.
أدرَكَ هذه الحقيقةَ أصحابُ القلوبِ المؤمنةِ الذين عرَفُوا قيمةَ الدُّعاء وأثرَه.
ومن هؤلاء السلطانُ العادل الجليل، والمجاهد البطل، نور الدين الشهيد محمود بن زنكي (ت 569) الذي حارَب الصليبيِّين، وكانت حروبه ضد الصليبيِّين مظفرةً، وقد أعزَّ اللهُ به الإسلامَ وأهلَه، رحمه الله رحمةً واسعةً.
رأى أصحابُه كثرةَ إنفاقِه على الفُقَراء والمساكين، ولا سيَّما من طلبةِ العِلم، وشدَّة طلبِه الدعاءَ منهم، فقال له أحدُهم مرَّةً: أيُّها السُّلطان، إنَّ لك في بلادك صَدقاتٍ كثيرةً على الفُقَراء والمساكين والأرامل والأيتام والفقهاء والقُرَّاء، فلو استَعنتَ بها في هذا الوقتِ العصيب على الأمورِ الحربيَّة والعسكريَّة، لكان أصلحَ.
فغَضِبَ السلطان وقال: والله لا أرجو النصرَ إلا بأولئك الرجال؛ فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضُعَفائكم، كيف أقطعُ صِلات قومٍ يُقاتِلون عنِّي وأنا نائمٌ على فراشي بسهامٍ لا تخطئ (يريد: الدعوات)، وأصرفُها إلى مَن لا يُقاتل عنِّى إلا إذا رآني بسِهامٍ قد تصيبُ وقد تخطئُ؟![1]..
♦ وقد حدَّثني أحدُ علماء دمشق الأجلاء أنَّه أُدخِلَ المستشفى لإجراء عمليَّةٍ جراحيَّةٍ لاستخراجِ حَصاة من الكلية، أثبتَتِ الصور وجودَها، وقبل إجراء العمليَّة صوَّر الطبيبُ الكلية مرَّةً أخرى، فلم يجدْ شيئًا، وتعجَّبَ الحاضرون، فلمَّا بلَغ ذلك العالِمَ قال: إنَّ الله أنزلها بسبب الدُّعاء.
وللحديث صلةٌ.
[1] "وقفات مع الأبرار" رقم 245.
الدعاء والذكر (7)
جاري تجهيز الصوت…
الدعاء والذكر (7)10- ومن الدَّعوات المستجابات دعوةُ مَن كان يحضرُ مجالس الذِّكر.• عن أبي هُرَيرة - أو عن أبي سعيدٍ - قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ لله ملائكة سيَّاحين في الأرض... فإذا وجَدُوا أقوامًا يَذكُرون اللهَ تنادوا: هَلُمُّوا إلى بُغيَتِكم، فيجيئون، فيحفُّون بهم إلى السَّماء الدُّنيا.♦ فيقول الله: أيَّ شيء تركتُم عبادي يصنَعُون؟♦ فيقولون: ترَكْناهم يحمَدُونَك ويمجِّدونك ويَذكُرونك.♦ فيقول: هل رأَوْني؟♦ فيقولون: لا.♦ فيقول: كيف لو رأَوْني؟♦ فيقولون: لو رأَوْك لكانوا أشدَّ تحميدًا، وأشدَّ لك ذكرًا.♦ فيقول: وأيَّ شيءٍ يطلُبون؟♦ فيقولون: يطلُبون الجنَّةَ.♦ فيقول: هل رأَوْها؟♦ فيقولون: لا. فيقول: كيف لو رأَوْها؟فيقولون: لو رأَوْها لكانوا أشدَّ طلبًا لها، وأشدَّ عليها حِرصًا. فيقول: فمِن أيِّ شيءٍ يتعوَّذون؟فيقولون: يتعوَّذون من النار. فيقول: هل رأَوْها؟فيقولون: لا. فيقول: كيف لو رأَوْها؟فيقولون: لو رأَوْهما لكانوا أشدَّ منها هربًا، وأشدَّ منها خوفًا. فيقول: أُشهِدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم.فيقولون: إنَّ فيهم فلانًا الخطَّاء لم يُرِدْهم؛ وإنما جاءَ لحاجةٍ. فيقول: هم القومُ لا يشقَى بهم جليسٌ))؛ رواه البخاري 6408، ومسلم 2689، والترمذي 3600. فهؤلاء قومٌ كانوا في مجلسِ ذكرٍ يحمَدُون الله ويُمجِّدونه، سألوا اللهَ الجنةَ، واستَعاذُوا به من النارِ، واستغفَرُوه، فاستجابَ لهم وغفَر لهم؛ إذًا فدعوة مَن كان في مجلس ذكرٍ مستجابةٌ، وكذلك كان شأن الرجل الذي ليسَ منهم، وجاءَ إليهم لحاجةٍ، غُفِرَ له معهم. ألا ما أعظم رحمةَ الله، وما أعظم كرمَه، وما أوسعَ مغفرتَه - سبحانه وتعالى! ♦ ♦ ♦هذا، وكلُّ مجلسٍ لا يُذكَر اللهُ فيه فهو حسرةٌ على صاحبه؛ عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: ((ما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يَذكُروا اللهَ فيه، ولم يُصَلُّوا على نبيِّهم، إلا كان عليهم تِرَةً؛ فإنْ شاء عذَّبهم، وإنْ شاء غفَر لهم)). والتِّرَةُ: النقص والحسرة والندامة؛ رواه أبو داود 4855، والترمذي 3380. ومن آداب الدُّعاء والذِّكر ألا يرفَعَ المرءُ صوتَه عاليًا، فقد عقَد البخاري بابًا في "صحيحه" عنوانه: (باب ما يُكرَه من رفع الصوت في التكبير)، وأورد فيه حديثَ أبي موسى الأشعري الذي قال: كُنَّا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ؛ فكُنَّا إذا علَوْنا كبَّرنا، وإذا أشرَفْنا على وادٍ هلَّلنا وكبَّرنا ارتفعَتْ أصواتُنا، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((يا أيها الناسُ، اربَعُوا على أنفُسِكم؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّه معكم، إنَّه سميعٌ قريبٌ))؛ "صحيح البخاري" برقم 2992. ♦ الدعاء سِلاحُ المؤمن، وهو سلاحٌ فعَّال لا تُخطِئُ سهامُه، لجَأ إليه الأنبياءُ - صلواتُ الله عليهم - من آدمَ إلى خاتمهم محمدٍ رسولِ الله، كما جاء في القُرآن الكريم، ولجأ إليه الصحابةُ والتابعون لهم بإحسانٍ، والصالحون في كلِّ زمان. أدرَكَ هذه الحقيقةَ أصحابُ القلوبِ المؤمنةِ الذين عرَفُوا قيمةَ الدُّعاء وأثرَه. ومن هؤلاء السلطانُ العادل الجليل، والمجاهد البطل، نور الدين الشهيد محمود بن زنكي (ت 569) الذي حارَب الصليبيِّين، وكانت حروبه ضد الصليبيِّين مظفرةً، وقد أعزَّ اللهُ به الإسلامَ وأهلَه، رحمه الله رحمةً واسعةً. رأى أصحابُه كثرةَ إنفاقِه على الفُقَراء والمساكين، ولا سيَّما من طلبةِ العِلم، وشدَّة طلبِه الدعاءَ منهم، فقال له أحدُهم مرَّةً: أيُّها السُّلطان، إنَّ لك في بلادك صَدقاتٍ كثيرةً على الفُقَراء والمساكين والأرامل والأيتام والفقهاء والقُرَّاء، فلو استَعنتَ بها في هذا الوقتِ العصيب على الأمورِ الحربيَّة والعسكريَّة، لكان أصلحَ. فغَضِبَ السلطان وقال: والله لا أرجو النصرَ إلا بأولئك الرجال؛ فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضُعَفائكم، كيف أقطعُ صِلات قومٍ يُقاتِلون عنِّي وأنا نائمٌ على فراشي بسهامٍ لا تخطئ (يريد: الدعوات)، وأصرفُها إلى مَن لا يُقاتل عنِّى إلا إذا رآني بسِهامٍ قد تصيبُ وقد تخطئُ؟![1].. ♦ وقد حدَّثني أحدُ علماء دمشق الأجلاء أنَّه أُدخِلَ المستشفى لإجراء عمليَّةٍ جراحيَّةٍ لاستخراجِ حَصاة من الكلية، أثبتَتِ الصور وجودَها، وقبل إجراء العمليَّة صوَّر الطبيبُ الكلية مرَّةً أخرى، فلم يجدْ شيئًا، وتعجَّبَ الحاضرون، فلمَّا بلَغ ذلك العالِمَ قال: إنَّ الله أنزلها بسبب الدُّعاء. وللحديث صلةٌ.[1] "وقفات مع الأبرار" رقم 245.