تقنين الأحكام القضائية
كثيرًا ما أسمع المجالس تتناوش هذه القضية، ويسألني البعض عنها، فأجيبه: أنا لا أؤيد "التقنين"!
وذلك لأن مشكلةَ تباين الأحكام طبيعيةٌ في كل دول العالم - حتى في الدول التي تذهب للتقنين - وإشكالية كشف النصِّ وتطبيق لفظِه أو رُوحه قائمةٌ على كل حال، وتفسيراته متاحة للقضاة بجميع درجاتهم وزوايا نظرهم.
والدول الأنجلوسكسونية التي لا تقنن - مثل أمريكا - تعتمد على السوابق والاجتهاد القانوني والأعراف، كما أن الدول اللاتينية التي تعمل بالتقنين - مثل بريطانيا - لم تنتهِ فيها مشكلةُ الخلاف بين القضاة حتى هذه اللحظة.
وقد يتبادر إلى ذهن القارئ إذا كانت حقيقة التقنين - كل حديثنا في غير الحدود - حاضرة في كتب الفقهاء، فلماذا المنع منها قضاءً؟
الحقيقة أنَّ المشكلة ليست في مبدأ جمع مسائل الأحكام القضائية بذاته؛ فالتدوين الفقهي للمسائل الفقهية القضائية في شكل مواد تشبه المواد القانونية - مثل بعض الفصول في باب القضاء والتعزير والحدود - وُجِد في التراث الإسلامي منذ بدء التصنيف، ولكن الفرق بينها وبين غاية طالبي التقنين أن تكون هذه المواد التنظيمية ملزمة، فلا اجتهاد للقاضي في تقدير ما يراه مناسبًا ما لم يكن ذلك منصوصًا، وهذا يقتل تحقيقَ العدالة في إيقاعه العقوبة أو إيقافها، ويجرُّها لأزمة المساواة؛ فلا تُراعَى فيه حالُ المدَّعَى عليه، ولا نوع الجريمة وظروفها، كما أنه يغلق باب تطبيق البدائل القضائية الاجتماعية المناسبة؛ خصوصًا مع ثبوت نجاحها عالميًّا، وهذه الأمور أهمُّ ما يجعل التقنين القضائي - خاصة في الجانب الجنائي - مرفوضًا كأصل لكل العقوبات.
وأما فكرة المعرفة السابقة للعقوبة الجنائية "الذي لك وعليك" قبل ارتكاب الفعل بتقنين الأحكام، فهي نافعة في غير المحاكم التي تطبق الشريعة، رغم أنها مُؤذِنة بتزايد الجريمة، وتفتح باب الاحتيال على النص؛ عبر بعض المحامين البراغماتيين.
كما أنه يفتح مجالاً لدخول غير الشرعيين في سلك القضاء؛ ممن درسوا القوانين الوضعية في الخارج، أو جامعات الداخل التي لا تهتم بإجلاء الموقف الشرعي إزاء القوانين، ومؤشِّر خطير لتراجع التكوين الشرعي للقاضي.
وأفضل الحلول للتباين في الأحكام المتشابهة هو تهيئة المدخلات المستهدفة - من طلاب الكليات الشرعية، أو المعاهد القضائية المتخصصة - بنفس الإجراءات المعرفية، عندها تكون - المخرجات - قريبة إلى حدٍّ كبير في أحكامها، إضافة إلى نشر مدونات الأحكام المُسبَّبة بين القضاة، من التي تميزت بتألق نوعي.
شرف الله بلادنا وقضاءنا، ورفع الله قدر ولاة أمرنا.
تقنين الأحكام القضائية
جاري تجهيز الصوت…
تقنين الأحكام القضائيةكثيرًا ما أسمع المجالس تتناوش هذه القضية، ويسألني البعض عنها، فأجيبه: أنا لا أؤيد "التقنين"! وذلك لأن مشكلةَ تباين الأحكام طبيعيةٌ في كل دول العالم - حتى في الدول التي تذهب للتقنين - وإشكالية كشف النصِّ وتطبيق لفظِه أو رُوحه قائمةٌ على كل حال، وتفسيراته متاحة للقضاة بجميع درجاتهم وزوايا نظرهم. والدول الأنجلوسكسونية التي لا تقنن - مثل أمريكا - تعتمد على السوابق والاجتهاد القانوني والأعراف، كما أن الدول اللاتينية التي تعمل بالتقنين - مثل بريطانيا - لم تنتهِ فيها مشكلةُ الخلاف بين القضاة حتى هذه اللحظة. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ إذا كانت حقيقة التقنين - كل حديثنا في غير الحدود - حاضرة في كتب الفقهاء، فلماذا المنع منها قضاءً؟الحقيقة أنَّ المشكلة ليست في مبدأ جمع مسائل الأحكام القضائية بذاته؛ فالتدوين الفقهي للمسائل الفقهية القضائية في شكل مواد تشبه المواد القانونية - مثل بعض الفصول في باب القضاء والتعزير والحدود - وُجِد في التراث الإسلامي منذ بدء التصنيف، ولكن الفرق بينها وبين غاية طالبي التقنين أن تكون هذه المواد التنظيمية ملزمة، فلا اجتهاد للقاضي في تقدير ما يراه مناسبًا ما لم يكن ذلك منصوصًا، وهذا يقتل تحقيقَ العدالة في إيقاعه العقوبة أو إيقافها، ويجرُّها لأزمة المساواة؛ فلا تُراعَى فيه حالُ المدَّعَى عليه، ولا نوع الجريمة وظروفها، كما أنه يغلق باب تطبيق البدائل القضائية الاجتماعية المناسبة؛ خصوصًا مع ثبوت نجاحها عالميًّا، وهذه الأمور أهمُّ ما يجعل التقنين القضائي - خاصة في الجانب الجنائي - مرفوضًا كأصل لكل العقوبات. وأما فكرة المعرفة السابقة للعقوبة الجنائية "الذي لك وعليك" قبل ارتكاب الفعل بتقنين الأحكام، فهي نافعة في غير المحاكم التي تطبق الشريعة، رغم أنها مُؤذِنة بتزايد الجريمة، وتفتح باب الاحتيال على النص؛ عبر بعض المحامين البراغماتيين. كما أنه يفتح مجالاً لدخول غير الشرعيين في سلك القضاء؛ ممن درسوا القوانين الوضعية في الخارج، أو جامعات الداخل التي لا تهتم بإجلاء الموقف الشرعي إزاء القوانين، ومؤشِّر خطير لتراجع التكوين الشرعي للقاضي. وأفضل الحلول للتباين في الأحكام المتشابهة هو تهيئة المدخلات المستهدفة - من طلاب الكليات الشرعية، أو المعاهد القضائية المتخصصة - بنفس الإجراءات المعرفية، عندها تكون - المخرجات - قريبة إلى حدٍّ كبير في أحكامها، إضافة إلى نشر مدونات الأحكام المُسبَّبة بين القضاة، من التي تميزت بتألق نوعي. شرف الله بلادنا وقضاءنا، ورفع الله قدر ولاة أمرنا.