في النية

النية ليست شرطًا في إزالة النجاسة الحقيقية عند جمهور العلماء، خلافًا لإزالة النجاسة الحُكمية، وهي الطهارة من الحدث؛ حيث يشترط فيها النية.
 
وسبب التفرقة بين النوعين يعود إلى التكييف الفقهي لإزالة النجاسة الحقيقية، هل هي من باب المحرمات؛ حيث حرم اللهُ على عباده المثولَ بين يديه ملابسين للنجاسات، فيكفي فيها التركُ للخروج من العهدة، وإن لم ينوِها المكلَّف، ولم يشعر بها، كالخروج عن عهدة شرب الخمر، بالامتناع عن كل خمر، والخروج عن عهدة القتل، بالامتناع عن قتل كلِّ نفس، وإن لم تكن له نيةٌ في ذلك كله، وينطبق الحكمُ نفسه على السرقة والزنا، ونحو ذلك؟ أم هي من باب الأوامر؛ حيث أوجب اللهُ على عباده أن يتطهروا من الخبث، كما يتطهرون من الحدث، فلا تكفي صورتُها لتحصيل العبادة، بل لا بد فيها من النية؟

فجمهور الفقهاء على أن إزالة النجاسة من باب التروك، وبالتالي لا يشترط لتحصيلها نية[1]، يدل على ذلك أنه لو لم يجد ما يزيلها، لم يتيمَّم لها؛ ولهذا نجد أن غُسالة النجاسة مع النية وعدمها سواءٌ، بخلاف الوضوء؛ حيث لا يصير الماء مستعملاً إلا بالنية[2].
 
ويرى بعض المالكية أنها من باب الأوامر، فتفتقر إلى النية، قياسًا على إزالة الحدث، وقيل باشتراط ذلك في البدن خاصة؛ لأنه يتعلَّق بالنفس، فيكون من باب العبادة، بخلاف الغير، كالثوب والحصير ونحو ذلك [3].
 
والراجح الأول، والجواب عن المذهب الثاني بما قدمناه، من الفرق بين غُسالة النجاسة الحقيقية والحُكمية، وأيضًا فلو افترضنا أنها من باب الأوامر، فلا يعدو أن يكونَ من باب الأمر بنقل الأعيان المعينة، لتتحقَّقَ المصلحة المقصودة منها بالانتفاع، دون أن يؤثِّرَ فيها فَقْدُ النية؛ كردِّ وديعة، أو مغصوب، أو إطلاق مُحرِمٍ لصيد، ونفقات الزوجات والأقارب، والبهائم؛ حيث لا يشترط في كل ذلك نية.
 



[1] وإنما وجبت في الصوم مع أنه من باب التروك؛ لأنه لما كان المقصودُ قمْعَ الشهوة ومخالفة الهوى، التحق بالفعل؛ مغني المحتاج 1/ 86.


[2] راجع في بيان ما تقدم: الذخيرة 1/ 182، مغني المحتاج 1/ 86، الفروع 1/ 259، نهاية المحتاج 1/ 262.


[3] بلغة السالك 1/ 34.