أحكام القضاء والفدية من تمام المنة
أولاً: القضاء:
تقدَّم أنه يَجِب على مَن أفطر في رمضان عدَّة من أيامٍ أُخَر، وهذا يشمل: المُسافِر، والمريض، والحائض، والنُّفَساء، ومَن تعمَّد الإفطار بغير الجِمَاع.
ويتعلَّق بذلك مسائل:
1- لا يَجِب التتابع في قضاء هذه الأيام؛ فمَن شاء صامها متتابعة، ومَن شاء فرَّقها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184]؛ فأطلق ولم يقيِّدها بتتابع.
قال ابن عباس: لا بأسَ أن يفرِّق[1].
وسُئِل الإمام أحمد عن قضاء رمضان، فقال: إن شاء فرَّق، وإن شاء تابَع[2].
2- وجوب القضاء على التراخي، في أي وقت من السنة، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيعُ أن أَقْضِيَه إلا في شعبان، الشُّغل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو برسول الله - صلى الله عليه وسلم"[3].
لكن الأَوْلَى المسارعة إلى قضائها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران: 133]، وقوله: ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ [المؤمنون: 61].
3- هل يجوز أن يصوم نوافل قبل قضاء ما عليه؟
الصحيح: نعم يجوز؛ لأن وقت القضاء موسَّع، قال الشيخ ابن عثيمين: "وهذا القول أظهر وأقرب إلى الصواب، وأن صومَه صحيحٌ، ولا يَأثَم"[4].
ولكن الأَوْلَى أن يَقْضي ما عليه، ثم يصوم النَّفْل إن شاء؛ لأنه قد يُعارِض ما سبق قولُ أبي بكر الصديق لعمر: "وأنه لن تُقبَل نافلةٌ حتى تؤدَّى الفريضة".
4- إن أخَّر رمضان حتى جاء رمضانُ آخرُ، صام الحاضر، ثم قَضَى ما عليه بعدَه، ولا فِدْيَة عليه على الراجح؛ سواء كان التأخير لعذر، أم لغير عذر، وهذا مذهب الحنفيَّة والظاهرية.
قلتُ: إلا أنه يَأثَم بتأخيرِه، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ السابق.
ووَافَقهم الآخرون من المذاهِب إذا كان التأخيرُ لعذرٍ، وخَالَفوهم إذا كان لغيرِ عذرٍ، فأَوجَبوا عليه بعدَ صيامِ رمضان الحاضِر قضاءَ ما عليه، وفِدْيَة عن كلِّ يوم إطعام مسكين.
وقد علمتَ أن الراجح هو القول الأول؛ لأن الآية لم تُلزِمهم إلا بالقضاء فقط، والله أعلم.
ثانيًا: الفدية:
قال - تعالى -: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، ويَدخُل في ذلك: الحامِل، والمُرضِع، والشيخ الكبير، والمرأة العَجُوز، والمريض مرضًا مُزْمِنًا لا يُرجَى بُرْؤه.
ويتعلَّق بذلك مسائل:
1- الإطعام: يكون في الأيام التي أفطر فيها أو بعدها، ولا يُطعِم قبلها؛ لأنه لم يتعلَّق بذِمَّته الوجوب إلا بمَجِيء ذلك اليوم، فيَجُوز أن يَجعَله كلَّه في آخر الشهر، وقد ثَبَت عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه أفطرَ رمضانَ عند كِبَره، فأطعم ثلاثين مسكينًا في آخرِ يومٍ[5].
2- اختلف العلماء في مقدارِ الإطعامِ، وسببُ ذلك أنه لم يَنُصَّ دليلٌ على مقدارِه، فذَهَب بعض العلماء أنه مُدٌّ من طعامٍ لكلِّ يومٍ[6]، وقد تقدَّم في طعام الكفَّارة أنه يُعادِل مُدًّا لكلِّ مسكين.
وقيل: نصفُ صاعٍ قياسًا على فِدْيَة محظورات الإحرام؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عُجْرَة: ((انسُكْ نَسِيكةً، أو صُمْ ثلاثةَ أيامٍ، أو أَطْعِم ثلاثة آصُعٍ لستة مساكين))[7]، وعلى هذا فيكون حظُّ كلِّ مسكين نصف صاع.
ويجوز أن يَجمَعهم على طعامٍ، كما فعل أنس - رضي الله عنه - والأمر موسَّع، والحمد لله.
3- لم تَنُصَّ الآية كذلك على جنسِ الطعام، والأشبهُ أن يُقَال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة: 89]، كما في إطعامِ كفَّارة اليَمِين، وكما هو الحال في زكاة الفطر.
4- لا يُشتَرط أن يعدِّد المساكين بعدد الأيام، فلو أَطعَم نفسَ المسكينِ كلَّ يومٍ أجزأه، وهذا بخلاف الكفَّارة، فالأرجح أن يعدِّدهم تمشيًا مع ظاهر الحديث: ((أَطعِم ستين مسكينًا))، والله أعلم.
5- لا يجوزُ إخراجُ القيمةِ؛ لأن الآيةَ نصَّت على الإطعامِ، فلو أخرج دراهمَ أو دنانيرَ، لم يُجزِئه ذلك على الراجح.
مسألة: فيمَن مات وعليه صيام:
اختلَفَت الآراءُ - فيمَن مات وعليه صيام، هل يصوم عنه غيره؟ - على النحو الآتي:
الرأي الأول: ذَهَبوا إلى أن مَن مات وعليه صوم صام عنه وَلِيُّه؛ سواء كان صومُه عن فرضِ رمضان، أو صومُ نذرٍ ونحوه، واستدل هؤلاءِ بالأحاديث الآتية:
أ- عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن مات وعليه صيام، صام عنه وَلِيُّه))[8]، هكذا على العموم لم يَخُصَّ نذرًا عن غيره.
ب - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صومُ شهرٍ، فأَقْضِيه عنها؟ فقال: ((لو كان على أمِّك دَينٌ، أكنتَ قاضيَه عنها؟)) قال: نعم: قال: ((فدَينُ اللهِ أحقُّ أن يُقْضَى))[9].
وفي قوله: ((فدَينُ اللهِ أحقُّ أن يُقْضَى)): يُشعِر بعمومِ الحكم؛ سواء كان الصوم نذرًا، أو غيرَ نذرٍ، وهذا مذهب الظاهرية، وأحدُ قَولَي الشافعي.
قال النووي: "وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نَعتَقِده، وهو الذي صحَّحه محقِّقو أصحابِنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة" [10].
الرأي الثاني: ذهب فريقٌ من العلماءِ إلى أنه لا يُصَام عنه إلا صومُ النذرِ، وأما صومُ رمضانَ، فيَكْفِي في ذلك الإطعام عنه، واستدلوا بما ثَبَت عن عائشة وابن عباس: أنهما أَفتَيَا بذلك، وهما راوِيا الحديث كما تقدَّم، فهما أعلمُ بمرادِ الحديث، وأنه خاصٌّ بصوم النذر:
أما أَثَر عائشة - رضي الله عنها - فعن عَمْرَة أن أمَّها ماتت وعليها من رمضانَ، فقالت لعائشة: أَقْضِيه عنها؟ قالت: "لا، بل تصدَّقي عنها مكانَ كلِّ يوم نصفَ صاعٍ على كل مسكين"[11].
وأما أثر ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "إذا مات الرجل في رمضان، ثم مات ولم يَصُم، أُطعِمَ عنه ولم يكن عليه قضاءٌ، وإن كان عليه نذرٌ، قَضَى عنه وليُّه"[12].
بما ورد في بعض طُرُقِ حديث ابن عبَّاس السابق، وفيه قول السائل: "إن أمي قد ماتت وعليها صومُ نذرٍ".
قالوا: فهذا خاصٌّ بالنذرِ، وهذا مذهب: أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عُبَيد.
الرأي الثالث: ذَهَبوا إلى أنه لا يُصَام عن الميت لا نذرٌ ولا غيرُه، وهذا ما ذَهَب إليه أبو حنيفة ومالك.
والصحيح هو الرأي الأول؛ لعموم حديث عائشة - رضي الله عنها - ولعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فدَينُ اللهِ أحقُّ بالقضاء))، في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما.
وأما ما أَفتَى به ابن عباس وعائشة، فالقاعدة في ذلك: إذا أَفتَى الراوي بخلاف مَرْوِيِّه، فالعبرة بما روى لا بما رأى، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه ابن حجر والنووي[13]، ورجَّحه أيضًا الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع.
ملاحظات:
1- هذا الحكم إذا تمكَّن من القضاء ولم يَقْضِه حتى مات، وأما إن تمادَى به العذرُ حتى مات، فليس عليه شيءٌ لا صيام ولا طعام، فلا يَجِب أن يصام عنه، أو أن يُطعَم عنه.
2- الذي يَصُوم عن الميت وَلِيُّه، واختلفوا في تحديده هل هو الوارث، أم كل قريب؟
والأولى حملُه على الوارثِ، فهو أقرب الناس إليه.
قال النووي: "ولو صام عنه أَجنبي إن كان بإذنِ الولي، صحَّ، وإلا، فلا في الأصح" [14].
3- أما بالنسبة للصلاة، فلا يصلِّي عنه أحدٌ صلاةً فائتة، وقد نقل القاضي في ذلك الإجماع، وكذلك الإجماع على أنه لا يصوم عن أحدٍ في حياته، إنما الخلاف في الميت[15].
4- الأَولَى أن يُصَام بعددِ الأيام؛ أي: إذا وُزِّع ذلك على الأولياء بأن يصوم كلٌّ منهم أيامًا، فتكون أيام هذا غير هذا، ويَرَى بعضهم أنه لو صام ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا عن ثلاثين يومًا أجزأه، والأول أولى، والله أعلم.
[1] صحيح؛ رواه البخاري تعليقًا (4/188)، ووصله الدارقطني (2/192)، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة (2/292).
[2] مسائل الإمام أحمد؛ لأبي داود ص (95).
[3] البخاري (1950)، ومسلم (1146)، وأبو داود (2399)، والترمذي (783)، والنسائي، وابن ماجه (1696).
[4] الشرح الممتع (6/448).
[5] رواه أبو يعلى (7/204/4194)، وفيه انقطاع، ورواه ابن سعد (7/1/15)، وفيه مجهول، والطبراني في الكبير (1/214/675)، قال الهيثمي (3/164): رجاله رجال الصحيح، وبالجملة فالأثر صحيح بهذه الشواهد، وانظر: ابن كثير (2/1768- 1769).
[6] قاله النووي في روضة الطالبين (2/380)، وانظر: طعام الكفارة لمن جَامَع زوجته في رمضان، وقد تقدَّم.
[7] البخاري (1814)، ومسلم (1201)، وأبو داود (1856)، وابن ماجه (3079).
[8] البخاري (1952)، ومسلم (1147)، والترمذي (718)، وأبو داود (3311).
[9] البخاري (1953)، ومسلم (1148)، والترمذي (717)، وأبو داود (3307)، والنسائي (6/254)، وابن ماجه (1758).
[10] شرح النووي على صحيح مسلم (8/25).
[11] صحيح؛ رواه الطحاوي في مشكل الآثار (2/142)، وابن حزم في المحلى (7/4).
[12] صحيح؛ رواه أبو داود (2401)، وابن أبي شيبة (3/113)، وابن حزم في المحلى.
[13] فتح الباري (4/154)، وشرح النووي (8/25).
[14] شرح النووي على صحيح مسلم (8/26).
[15] انظر المصدر السابق.
أحكام القضاء والفدية من تمام المنة
جاري تجهيز الصوت…
أحكام القضاء والفدية من تمام المنة أولاً: القضاء:تقدَّم أنه يَجِب على مَن أفطر في رمضان عدَّة من أيامٍ أُخَر، وهذا يشمل: المُسافِر، والمريض، والحائض، والنُّفَساء، ومَن تعمَّد الإفطار بغير الجِمَاع. ويتعلَّق بذلك مسائل:1- لا يَجِب التتابع في قضاء هذه الأيام؛ فمَن شاء صامها متتابعة، ومَن شاء فرَّقها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184]؛ فأطلق ولم يقيِّدها بتتابع. قال ابن عباس: لا بأسَ أن يفرِّق[1]. وسُئِل الإمام أحمد عن قضاء رمضان، فقال: إن شاء فرَّق، وإن شاء تابَع[2]. 2- وجوب القضاء على التراخي، في أي وقت من السنة، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيعُ أن أَقْضِيَه إلا في شعبان، الشُّغل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو برسول الله - صلى الله عليه وسلم"[3]. لكن الأَوْلَى المسارعة إلى قضائها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران: 133]، وقوله: ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ [المؤمنون: 61]. 3- هل يجوز أن يصوم نوافل قبل قضاء ما عليه؟الصحيح: نعم يجوز؛ لأن وقت القضاء موسَّع، قال الشيخ ابن عثيمين: "وهذا القول أظهر وأقرب إلى الصواب، وأن صومَه صحيحٌ، ولا يَأثَم"[4]. ولكن الأَوْلَى أن يَقْضي ما عليه، ثم يصوم النَّفْل إن شاء؛ لأنه قد يُعارِض ما سبق قولُ أبي بكر الصديق لعمر: "وأنه لن تُقبَل نافلةٌ حتى تؤدَّى الفريضة". 4- إن أخَّر رمضان حتى جاء رمضانُ آخرُ، صام الحاضر، ثم قَضَى ما عليه بعدَه، ولا فِدْيَة عليه على الراجح؛ سواء كان التأخير لعذر، أم لغير عذر، وهذا مذهب الحنفيَّة والظاهرية. قلتُ: إلا أنه يَأثَم بتأخيرِه، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ السابق. ووَافَقهم الآخرون من المذاهِب إذا كان التأخيرُ لعذرٍ، وخَالَفوهم إذا كان لغيرِ عذرٍ، فأَوجَبوا عليه بعدَ صيامِ رمضان الحاضِر قضاءَ ما عليه، وفِدْيَة عن كلِّ يوم إطعام مسكين. وقد علمتَ أن الراجح هو القول الأول؛ لأن الآية لم تُلزِمهم إلا بالقضاء فقط، والله أعلم. ثانيًا: الفدية:قال - تعالى -: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، ويَدخُل في ذلك: الحامِل، والمُرضِع، والشيخ الكبير، والمرأة العَجُوز، والمريض مرضًا مُزْمِنًا لا يُرجَى بُرْؤه. ويتعلَّق بذلك مسائل:1- الإطعام: يكون في الأيام التي أفطر فيها أو بعدها، ولا يُطعِم قبلها؛ لأنه لم يتعلَّق بذِمَّته الوجوب إلا بمَجِيء ذلك اليوم، فيَجُوز أن يَجعَله كلَّه في آخر الشهر، وقد ثَبَت عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه أفطرَ رمضانَ عند كِبَره، فأطعم ثلاثين مسكينًا في آخرِ يومٍ[5]. 2- اختلف العلماء في مقدارِ الإطعامِ، وسببُ ذلك أنه لم يَنُصَّ دليلٌ على مقدارِه، فذَهَب بعض العلماء أنه مُدٌّ من طعامٍ لكلِّ يومٍ[6]، وقد تقدَّم في طعام الكفَّارة أنه يُعادِل مُدًّا لكلِّ مسكين. وقيل: نصفُ صاعٍ قياسًا على فِدْيَة محظورات الإحرام؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عُجْرَة: ((انسُكْ نَسِيكةً، أو صُمْ ثلاثةَ أيامٍ، أو أَطْعِم ثلاثة آصُعٍ لستة مساكين))[7]، وعلى هذا فيكون حظُّ كلِّ مسكين نصف صاع. ويجوز أن يَجمَعهم على طعامٍ، كما فعل أنس - رضي الله عنه - والأمر موسَّع، والحمد لله. 3- لم تَنُصَّ الآية كذلك على جنسِ الطعام، والأشبهُ أن يُقَال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة: 89]، كما في إطعامِ كفَّارة اليَمِين، وكما هو الحال في زكاة الفطر. 4- لا يُشتَرط أن يعدِّد المساكين بعدد الأيام، فلو أَطعَم نفسَ المسكينِ كلَّ يومٍ أجزأه، وهذا بخلاف الكفَّارة، فالأرجح أن يعدِّدهم تمشيًا مع ظاهر الحديث: ((أَطعِم ستين مسكينًا))، والله أعلم. 5- لا يجوزُ إخراجُ القيمةِ؛ لأن الآيةَ نصَّت على الإطعامِ، فلو أخرج دراهمَ أو دنانيرَ، لم يُجزِئه ذلك على الراجح. مسألة: فيمَن مات وعليه صيام:اختلَفَت الآراءُ - فيمَن مات وعليه صيام، هل يصوم عنه غيره؟ - على النحو الآتي:الرأي الأول: ذَهَبوا إلى أن مَن مات وعليه صوم صام عنه وَلِيُّه؛ سواء كان صومُه عن فرضِ رمضان، أو صومُ نذرٍ ونحوه، واستدل هؤلاءِ بالأحاديث الآتية: أ- عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن مات وعليه صيام، صام عنه وَلِيُّه))[8]، هكذا على العموم لم يَخُصَّ نذرًا عن غيره. ب - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صومُ شهرٍ، فأَقْضِيه عنها؟ فقال: ((لو كان على أمِّك دَينٌ، أكنتَ قاضيَه عنها؟)) قال: نعم: قال: ((فدَينُ اللهِ أحقُّ أن يُقْضَى))[9]. وفي قوله: ((فدَينُ اللهِ أحقُّ أن يُقْضَى)): يُشعِر بعمومِ الحكم؛ سواء كان الصوم نذرًا، أو غيرَ نذرٍ، وهذا مذهب الظاهرية، وأحدُ قَولَي الشافعي. قال النووي: "وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نَعتَقِده، وهو الذي صحَّحه محقِّقو أصحابِنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة" [10]. الرأي الثاني: ذهب فريقٌ من العلماءِ إلى أنه لا يُصَام عنه إلا صومُ النذرِ، وأما صومُ رمضانَ، فيَكْفِي في ذلك الإطعام عنه، واستدلوا بما ثَبَت عن عائشة وابن عباس: أنهما أَفتَيَا بذلك، وهما راوِيا الحديث كما تقدَّم، فهما أعلمُ بمرادِ الحديث، وأنه خاصٌّ بصوم النذر:أما أَثَر عائشة - رضي الله عنها - فعن عَمْرَة أن أمَّها ماتت وعليها من رمضانَ، فقالت لعائشة: أَقْضِيه عنها؟ قالت: "لا، بل تصدَّقي عنها مكانَ كلِّ يوم نصفَ صاعٍ على كل مسكين"[11]. وأما أثر ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "إذا مات الرجل في رمضان، ثم مات ولم يَصُم، أُطعِمَ عنه ولم يكن عليه قضاءٌ، وإن كان عليه نذرٌ، قَضَى عنه وليُّه"[12]. بما ورد في بعض طُرُقِ حديث ابن عبَّاس السابق، وفيه قول السائل: "إن أمي قد ماتت وعليها صومُ نذرٍ". قالوا: فهذا خاصٌّ بالنذرِ، وهذا مذهب: أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عُبَيد. الرأي الثالث: ذَهَبوا إلى أنه لا يُصَام عن الميت لا نذرٌ ولا غيرُه، وهذا ما ذَهَب إليه أبو حنيفة ومالك. والصحيح هو الرأي الأول؛ لعموم حديث عائشة - رضي الله عنها - ولعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فدَينُ اللهِ أحقُّ بالقضاء))، في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما. وأما ما أَفتَى به ابن عباس وعائشة، فالقاعدة في ذلك: إذا أَفتَى الراوي بخلاف مَرْوِيِّه، فالعبرة بما روى لا بما رأى، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه ابن حجر والنووي[13]، ورجَّحه أيضًا الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع. ملاحظات:1- هذا الحكم إذا تمكَّن من القضاء ولم يَقْضِه حتى مات، وأما إن تمادَى به العذرُ حتى مات، فليس عليه شيءٌ لا صيام ولا طعام، فلا يَجِب أن يصام عنه، أو أن يُطعَم عنه. 2- الذي يَصُوم عن الميت وَلِيُّه، واختلفوا في تحديده هل هو الوارث، أم كل قريب؟ والأولى حملُه على الوارثِ، فهو أقرب الناس إليه. قال النووي: "ولو صام عنه أَجنبي إن كان بإذنِ الولي، صحَّ، وإلا، فلا في الأصح" [14]. 3- أما بالنسبة للصلاة، فلا يصلِّي عنه أحدٌ صلاةً فائتة، وقد نقل القاضي في ذلك الإجماع، وكذلك الإجماع على أنه لا يصوم عن أحدٍ في حياته، إنما الخلاف في الميت[15]. 4- الأَولَى أن يُصَام بعددِ الأيام؛ أي: إذا وُزِّع ذلك على الأولياء بأن يصوم كلٌّ منهم أيامًا، فتكون أيام هذا غير هذا، ويَرَى بعضهم أنه لو صام ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا عن ثلاثين يومًا أجزأه، والأول أولى، والله أعلم.[1] صحيح؛ رواه البخاري تعليقًا (4/188)، ووصله الدارقطني (2/192)، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة (2/292).[2] مسائل الإمام أحمد؛ لأبي داود ص (95).[3] البخاري (1950)، ومسلم (1146)، وأبو داود (2399)، والترمذي (783)، والنسائي، وابن ماجه (1696).[4] الشرح الممتع (6/448).[5] رواه أبو يعلى (7/204/4194)، وفيه انقطاع، ورواه ابن سعد (7/1/15)، وفيه مجهول، والطبراني في الكبير (1/214/675)، قال الهيثمي (3/164): رجاله رجال الصحيح، وبالجملة فالأثر صحيح بهذه الشواهد، وانظر: ابن كثير (2/1768- 1769).[6] قاله النووي في روضة الطالبين (2/380)، وانظر: طعام الكفارة لمن جَامَع زوجته في رمضان، وقد تقدَّم.[7] البخاري (1814)، ومسلم (1201)، وأبو داود (1856)، وابن ماجه (3079).[8] البخاري (1952)، ومسلم (1147)، والترمذي (718)، وأبو داود (3311).[9] البخاري (1953)، ومسلم (1148)، والترمذي (717)، وأبو داود (3307)، والنسائي (6/254)، وابن ماجه (1758).[10] شرح النووي على صحيح مسلم (8/25).[11] صحيح؛ رواه الطحاوي في مشكل الآثار (2/142)، وابن حزم في المحلى (7/4).[12] صحيح؛ رواه أبو داود (2401)، وابن أبي شيبة (3/113)، وابن حزم في المحلى.[13] فتح الباري (4/154)، وشرح النووي (8/25).[14] شرح النووي على صحيح مسلم (8/26).[15] انظر المصدر السابق.