مقدمة في النجاسات وما يُطهِّرها في الفقه الإسلامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فقد اهتم الإسلام بالطهارة من الأدناس والأوساخ ما لم يهتمَّ به دين من قبلُ، وقد تجلى ذلك في أمره لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في ثاني سورة أُنزلت في القرآن بتطهير الثياب؛ فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 4]، وفي أمره - صلى الله عليه وسلم - بتطهير البدن بقوله: ((تنزَّهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه))[1]، وبأمره بتطهير مكان السجود في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد؛ حيث قال: ((دعوه وهَرِيقوا على بوله سَجْلاً من ماء))[2].
ولذلك امتدح الله - تبارك وتعالى - المتطهِّرين، فقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222].
وأثنى على أهل مسجد قُباءٍ؛ لاستعمالهم الماء في تطهير محل الاستجمار، فقال: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108].
وجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الطهورَ نصف الإيمان، فقال: ((الطُّهور شَطر الإيمان))[3].
ولعل في ذلك ما يدل على اهتمام الإسلام الشديد، وحرصه على نظافة المسلم والمجتمع الذي يعيش؛ حفاظًا على الصحة العامة والخاصة على حد سواء.
وانظر معي في قول الله - تعالى -: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31].
لتجد مدى حرص هذا الدين على أن يكونَ أتباعه من الطاهرين المتطهرين باطنًا وظاهرًا، وأن قمة الزينة والطهارة والبهاء يجب أن تكون والعبد قائم بين يدي رب العالمين.
هذا ولَمَّا كان للطهارة هذه المنزلةُ في الإسلام، اقتضى الأمر معرفةَ الأوساخ والأقذار التي تسمَّى بالخبَث، أو النجاسة الحقيقية؛ حتى يقف المسلمُ عليها ويتجنَّبها، أو يزيلها إذا ابتُلِي بها.
وإزالتها تقتضي منا أيضًا أن نقف على الأشياء التي عدها الشرعُ مطهِّرةً لها؛ لأن ما عداها لا يؤثر في إزالة النجاسة على النحو المشروع؛ ولذلك كان بحثي هذا في النجاسة الحقيقية - الخبث - وما يطهِّرها شاملاً وافيًا لكل الجوانب التي تطرَّق إليها الفقهاء في هذا الموضوع، فإن كنتُ قد قصرت في شيء منها، فأسأل الله المغفرة، وعذري أني لم أتعمد ذلك، وأن الإنسان بطبيعته مهما طلب الكمال، فلن يصل إليه.
تمهيد:
في التعريف بالنجاسة وحكم إزالتها:
أولاً: التعريف بالنجاسة:
النجاسة ضد الطهارة، وهي في اللغة: القذارة، يقال: فلان نجس؛ أي: قذر.
وهي في اللغة تشمل ثلاثة أنواع:
الأول: النجاسة الحقيقية، وهي الخبث.
الثاني: النجاسة الحُكمية، وهي الحدَث.
الثالث: النجاسة المعنوية، وهي تشتمل على العيوب والآثام.
قال - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [التوبة: 28]، واستعمال لفظ نجس في هذا النوع، إنما هو من باب الإطلاق المجازي لا الحقيقي؛ تشبيهًا للدنس المعلوم بالمحسوس[4].
واصطلاحًا: حُكم شرعي قديم، وهو التحريم، فمعنى نجاسة العين: تحريم الله - تعالى - على عباده ملابستَها في صلواتهم وأغذيتهم ونحوها[5].
واللفظ وإن كان يعمُّ النجاسة الحقيقية والحكمية على السواء؛ نظرًا لحرمة الصلاة مع وجود أي منهما - فإن العُرف الفقهيَّ قد اختصه بالأول منهما دون الثاني؛ ولذلك وجدنا الفقهاء في معظمهم يُفرِدون بابًا للأنجاس يختصونه بالنجاسة الحقيقية، وأما الحدث، فإنهم يتكلمون عنه في أبواب الطهارة بصفة عامة.
ثانيًا: حُكم إزالة النجاسة:
كما هو معلوم فإن الطهارة الحكمية واجبةٌ في كل ما لا يستباح للمكلَّف فعلُه دون طهارة، وأما فيما عدا ذلك، فهي مندوبة.
وأما الطهارة من الخبث، فإنها واجبة عند جمهور الفقهاء، وإن لم يقصد المسلم الصلاةَ؛ للأمر الوارد في قوله - تعالى -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 4]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في صاحبي القبر: ((إنهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزهُ من بوله))[6].
وهل هي شرط لصحة الصلاة؟
عامة العلماء على أن الطهارةَ من النجاسة الحقيقية، شرطٌ لصحة الصلاة[7]، يدل على ذلك حديثُ خلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنعله حين أخبره جبريلُ بما فيه من الأذى[8]، ولا يُقبل قول من احتج به على أن الطهارة من النجاسة لو كانت واجبة، لأعادها الرسوُل - صلى الله عليه وسلم - لأنه يجوز أنه لم يستأنف؛ لأن القذرَ كان شيئًا يسيرًا معفوًّا عنه، وإخبار جبريل بذلك؛ كيلا تتلوثَ قدماه.
ومذهب البعض - ومنهم الشوكاني - أن اجتناب النجاسة فرض، وليس بشرط لصحة الصلاة، فمن صلى مُلابسًا للنجاسة، فقد ترك الواجب وصحَّت صلاته؛ وهذا لأن غاية ما يستفاد من آية: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 4]، الوجوب، وهو لا يستلزم الشرطية [9].
والراجح في ذلك مذهب الجمهور؛ لأن الأمرَ بالشيء نهي عن ضده، وهذا يقتضي عدم صحة الصلاة.
يتبع،،
[1] رواه الدارقطني؛ نيل الأوطار 1/ 93.
[2] رواه البخاري 1/ 52.
[3] رواه مسلم - كتاب الطهارة - باب: فضل الوضوء 1/ 140.
[4] راجع - المعجم الوجيز - مادة نجس، الذخيرة؛ للقرافي 1/ 154 ط. وزارة الأوقاف، الكويت، البناية على الهداية 1/ 704 ط. دار الفكر.
[5] الذخيرة 1/ 154.
[6] رواه مسلم، كتاب الطهارة حديث رقم 292.
[7] نُقل عن بعض المالكية أن إزالة النجاسة الحقيقية سنةٌ مؤكدة؛ لأنها من الأحكام الشرعية المعقولة المعنى، وأكثر هذه الأحكام من باب مكارم الأخلاق، وحملوا الأمرَ الوارد في الآية على الندب؛ بداية المجتهد 1/ 75.
[8] رواه أبو داود حديث رقم 650.
[9] نيل الأوطار 1/ 119.
مقدمة في النجاسات وما يطهرها في الفقه الإسلامي
جاري تجهيز الصوت…
مقدمة في النجاسات وما يُطهِّرها في الفقه الإسلامي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فقد اهتم الإسلام بالطهارة من الأدناس والأوساخ ما لم يهتمَّ به دين من قبلُ، وقد تجلى ذلك في أمره لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في ثاني سورة أُنزلت في القرآن بتطهير الثياب؛ فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 4]، وفي أمره - صلى الله عليه وسلم - بتطهير البدن بقوله: ((تنزَّهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه))[1]، وبأمره بتطهير مكان السجود في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد؛ حيث قال: ((دعوه وهَرِيقوا على بوله سَجْلاً من ماء))[2]. ولذلك امتدح الله - تبارك وتعالى - المتطهِّرين، فقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]. وأثنى على أهل مسجد قُباءٍ؛ لاستعمالهم الماء في تطهير محل الاستجمار، فقال: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108]. وجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الطهورَ نصف الإيمان، فقال: ((الطُّهور شَطر الإيمان))[3]. ولعل في ذلك ما يدل على اهتمام الإسلام الشديد، وحرصه على نظافة المسلم والمجتمع الذي يعيش؛ حفاظًا على الصحة العامة والخاصة على حد سواء. وانظر معي في قول الله - تعالى -: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31]. لتجد مدى حرص هذا الدين على أن يكونَ أتباعه من الطاهرين المتطهرين باطنًا وظاهرًا، وأن قمة الزينة والطهارة والبهاء يجب أن تكون والعبد قائم بين يدي رب العالمين. هذا ولَمَّا كان للطهارة هذه المنزلةُ في الإسلام، اقتضى الأمر معرفةَ الأوساخ والأقذار التي تسمَّى بالخبَث، أو النجاسة الحقيقية؛ حتى يقف المسلمُ عليها ويتجنَّبها، أو يزيلها إذا ابتُلِي بها. وإزالتها تقتضي منا أيضًا أن نقف على الأشياء التي عدها الشرعُ مطهِّرةً لها؛ لأن ما عداها لا يؤثر في إزالة النجاسة على النحو المشروع؛ ولذلك كان بحثي هذا في النجاسة الحقيقية - الخبث - وما يطهِّرها شاملاً وافيًا لكل الجوانب التي تطرَّق إليها الفقهاء في هذا الموضوع، فإن كنتُ قد قصرت في شيء منها، فأسأل الله المغفرة، وعذري أني لم أتعمد ذلك، وأن الإنسان بطبيعته مهما طلب الكمال، فلن يصل إليه. تمهيد:في التعريف بالنجاسة وحكم إزالتها:أولاً: التعريف بالنجاسة: النجاسة ضد الطهارة، وهي في اللغة: القذارة، يقال: فلان نجس؛ أي: قذر. وهي في اللغة تشمل ثلاثة أنواع:الأول: النجاسة الحقيقية، وهي الخبث. الثاني: النجاسة الحُكمية، وهي الحدَث. الثالث: النجاسة المعنوية، وهي تشتمل على العيوب والآثام. قال - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [التوبة: 28]، واستعمال لفظ نجس في هذا النوع، إنما هو من باب الإطلاق المجازي لا الحقيقي؛ تشبيهًا للدنس المعلوم بالمحسوس[4]. واصطلاحًا: حُكم شرعي قديم، وهو التحريم، فمعنى نجاسة العين: تحريم الله - تعالى - على عباده ملابستَها في صلواتهم وأغذيتهم ونحوها[5]. واللفظ وإن كان يعمُّ النجاسة الحقيقية والحكمية على السواء؛ نظرًا لحرمة الصلاة مع وجود أي منهما - فإن العُرف الفقهيَّ قد اختصه بالأول منهما دون الثاني؛ ولذلك وجدنا الفقهاء في معظمهم يُفرِدون بابًا للأنجاس يختصونه بالنجاسة الحقيقية، وأما الحدث، فإنهم يتكلمون عنه في أبواب الطهارة بصفة عامة. ثانيًا: حُكم إزالة النجاسة:كما هو معلوم فإن الطهارة الحكمية واجبةٌ في كل ما لا يستباح للمكلَّف فعلُه دون طهارة، وأما فيما عدا ذلك، فهي مندوبة. وأما الطهارة من الخبث، فإنها واجبة عند جمهور الفقهاء، وإن لم يقصد المسلم الصلاةَ؛ للأمر الوارد في قوله - تعالى -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 4]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في صاحبي القبر: ((إنهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزهُ من بوله))[6]. وهل هي شرط لصحة الصلاة؟عامة العلماء على أن الطهارةَ من النجاسة الحقيقية، شرطٌ لصحة الصلاة[7]، يدل على ذلك حديثُ خلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنعله حين أخبره جبريلُ بما فيه من الأذى[8]، ولا يُقبل قول من احتج به على أن الطهارة من النجاسة لو كانت واجبة، لأعادها الرسوُل - صلى الله عليه وسلم - لأنه يجوز أنه لم يستأنف؛ لأن القذرَ كان شيئًا يسيرًا معفوًّا عنه، وإخبار جبريل بذلك؛ كيلا تتلوثَ قدماه. ومذهب البعض - ومنهم الشوكاني - أن اجتناب النجاسة فرض، وليس بشرط لصحة الصلاة، فمن صلى مُلابسًا للنجاسة، فقد ترك الواجب وصحَّت صلاته؛ وهذا لأن غاية ما يستفاد من آية: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: 4]، الوجوب، وهو لا يستلزم الشرطية [9]. والراجح في ذلك مذهب الجمهور؛ لأن الأمرَ بالشيء نهي عن ضده، وهذا يقتضي عدم صحة الصلاة.يتبع،،[1] رواه الدارقطني؛ نيل الأوطار 1/ 93.[2] رواه البخاري 1/ 52.[3] رواه مسلم - كتاب الطهارة - باب: فضل الوضوء 1/ 140.[4] راجع - المعجم الوجيز - مادة نجس، الذخيرة؛ للقرافي 1/ 154 ط. وزارة الأوقاف، الكويت، البناية على الهداية 1/ 704 ط. دار الفكر.[5] الذخيرة 1/ 154.[6] رواه مسلم، كتاب الطهارة حديث رقم 292.[7] نُقل عن بعض المالكية أن إزالة النجاسة الحقيقية سنةٌ مؤكدة؛ لأنها من الأحكام الشرعية المعقولة المعنى، وأكثر هذه الأحكام من باب مكارم الأخلاق، وحملوا الأمرَ الوارد في الآية على الندب؛ بداية المجتهد 1/ 75.[8] رواه أبو داود حديث رقم 650.[9] نيل الأوطار 1/ 119.