غير المسلمين في رمضان
من سماحة دينِ الإسلامِ أنه أَذِن لغير المسلمين أن يَعِيشُوا في بلاد المسلمين، مع بقائهم على دينهم، ولم يَخْلُ عصرٌ من العصور من وجود غير المسلمين في بلاد الإسلام؛ سواء كانوا من الذِّمِّيين، أو من المُسْتَأمَنين، أو المعاهَدين، يَعِيشون بين المسلمين، ويَنْعَمون بالأمن على أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم.
ولا يَعْنِي بقاؤهم داخل المجتمع المسلم الرِّضا بما هم عليه من الكفر بالله؛ فإن الله تعالى لا يَرْضَى لعباده الكفر، وإنما أَذِن الشارِع لهم بالبقاء لحِكَمٍ ومصالحَ عديدةٍ؛ منها: أن يُخَالِطوا المسلمين، ويتأمَّلوا محاسن الإسلام وشرائعه، وينظروا فيها، فيدعوهم ذلك إلى الإسلام، ويرغِّبهم فيه، وعدم اختلاطهم -يعني غير المسلمين- يُبْعِدهم عن معرفة محاسن الإسلام، ألا ترى أنه من الهجرة إلى زمن الحُدَيبِية، لم يدخل في الإسلام إلا قليل، ومن الحُدَيبِية إلى الفتح دخل فيه نحو عشرة آلاف؛ لاختلاطِهم بهم للهُدْنَة التي حَصَلت بينهم! فهذا هو السبب في مشروعية عَقْد الذِّمَّة.
ومن شعائر الإسلام التي يَلْتَزِمها غير المسلمين في المجتمع المسلم: مراعاةُ شعورِ المسلمين في عباداتهم، ويَظْهَر ذلك جليًّا في المملكة العربية السعودية، بمنعِ الوافدين من إظهارِ شيءٍ من صورِ الشركِ، وما يخالفُ التوحيدَ الذي قامت عليه هذه البلاد، ويَظْهَر أيضًا في تعظيمِ شأنِ الصلاة، والإلزامِ بتعطيلِ الأعمال لأجل أدائها.
وفي شهر رمضان الكريم يُلْزَم غيرُ المسلمين في المملكة باحترامِ شعور المسلمين، فمع بداية شهر رمضان من كلِّ سنة تَدْعو وزارة الداخلية - عبر وسائل الإعلام المختلفة - جميعَ المُقيمينَ من غير المسلمين في المملكة - إلى احترام مشاعر المسلمين، وعدم المُجَاهَرة بالأكل، والشرب، أو التدخين! في المحلات العامة، أو أماكن العمل خلال شهر رمضان المبارك، ويَنص البيان الذي يَصْدُر في ذلك على أنه لا يُعْفِيهم من ذلك كونُهم غيرَ مسلمين؛ لأن ذلك يأتي تمشيًّا مع شعائر الدين الإسلامي، وهو ما تُوجِبه عقودُ العمل معهم من: المحافظة على قدسيَّة الإسلام، والتقيُّد بأنظمة البلاد، ويَنُصُّ البيان أيضًا على أن مَن لم يتقيَّد بذلك تتَّخذ السلطات المسؤولة بحقِّه الإجراءات الرَّادِعة من إنهاء العمل وإبعاده عن المملكة، وليت دولَ الإسلامِ كلَّها تَفْعَل ذلك؛ لأن لذلك أثرَه الإيجابيَّ على الدعوة، ولهذا فشعائر الإسلام، وآداب المسلمين في هذه البلاد، تُبْهِر غير المسلمين، وتَسْتَحوِذ على إعجابهم، وإن الألوفَ المؤلَّفة التي تتَّجه كل يوم إلى المساجد لَتُثِير اهتمامَ غيرِ المسلمين، لا سيما في هذا الشهر؛ حيث يَزْدَاد ارتباط المسلمين بالمساجد من خلال صلاة التراويح، كما أن مظهر الإفطار يأخذ بقلوب الكثير منهم.
وإن من واجب الدعاة أن يَنْتَهِزوا الفرصة في هذا الشهر الكريم؛ لبَيَان محاسِن هذا الدين، وبيان حقيقة الصوم عند المسلمين، ومنزلته في الإسلام، وعليهم أن يتألَّفوا غيرَ المسلمين على الإسلام في هذا الشهر - شهرِ الجُودِ - حيث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أَجودَ ما يكون في هذا الشهر، ويَبْذُلوا لهم من وسائل الدعوة وأساليبها ما يستطيعون، لا سيما أن هذا الشهر له خصوصيته، ويُقْبِل فيه المَرْءُ على الطاعات، ويَبْذُل فيه المُحْسِنون الكثيرَ من أموالهم في سبيل الله.
كما أن من الواجب على عامة المسلمين أن يُدْرِكوا مسؤوليتهم في دعوة غير المسلمين في هذا الشهر، من خلال سلوكهم وتعاملهم مع غير المسلمين، ومن خلال احترامهم لقدسيَّة هذا الشهر؛ لأن غير المسلمين يَنْظُرون إلى الصوم وآثاره على المسلمين، وقد يُخْطِئ بعضُهم عندما يتساهل في هذا الأمر، فتَجِده يَنْفُر من الإسلام من خلال سلوكه، ويَشْعُر غيرُ المسلمين أن الصوم حملٌ ثَقِيلٌ يتحمَّله؛ لأن من الناس من يكسل في هذا الشهر عن العمل، أو يُبَالِغ ويُسْرِف على نفسه في المأكل والمشرب والتَّرْفِيه، ولا يُرَاعي الحكمة من صيام هذا الشهر وفرضيته، التي أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].
إن صومَ هذا الشهرِ ليس حِمية عن الطعام أو الشراب فحسب، ففي البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن لم يَدَع قولَ الزُّور، والعملَ به، والجهلَ، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامَه وشرابَه))، وقد قيل:
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ مِنِّي تَصَامُمٌ
وَفِي بَصَرِي غَضٌّ وَفِي مَنْطِقِي صَمْتُ
فَحَظِّي إِذًا مِنْ صَوْمِيَ الجْوعُ وَالظَّمَا
وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي صُمْتُ يَوْمًا فَمَا صُمْتُ
اللهم اجعلنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، واهدِنا، واهدِ بنا يا أرحم الراحمين.
المصدر
مجلة المستقبل الإسلامي، العدد 137 رمضان 1423هـ / نوفمبر- ديسمبر 2002م
غير المسلمين في رمضان
جاري تجهيز الصوت…
غير المسلمين في رمضان من سماحة دينِ الإسلامِ أنه أَذِن لغير المسلمين أن يَعِيشُوا في بلاد المسلمين، مع بقائهم على دينهم، ولم يَخْلُ عصرٌ من العصور من وجود غير المسلمين في بلاد الإسلام؛ سواء كانوا من الذِّمِّيين، أو من المُسْتَأمَنين، أو المعاهَدين، يَعِيشون بين المسلمين، ويَنْعَمون بالأمن على أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم. ولا يَعْنِي بقاؤهم داخل المجتمع المسلم الرِّضا بما هم عليه من الكفر بالله؛ فإن الله تعالى لا يَرْضَى لعباده الكفر، وإنما أَذِن الشارِع لهم بالبقاء لحِكَمٍ ومصالحَ عديدةٍ؛ منها: أن يُخَالِطوا المسلمين، ويتأمَّلوا محاسن الإسلام وشرائعه، وينظروا فيها، فيدعوهم ذلك إلى الإسلام، ويرغِّبهم فيه، وعدم اختلاطهم -يعني غير المسلمين- يُبْعِدهم عن معرفة محاسن الإسلام، ألا ترى أنه من الهجرة إلى زمن الحُدَيبِية، لم يدخل في الإسلام إلا قليل، ومن الحُدَيبِية إلى الفتح دخل فيه نحو عشرة آلاف؛ لاختلاطِهم بهم للهُدْنَة التي حَصَلت بينهم! فهذا هو السبب في مشروعية عَقْد الذِّمَّة. ومن شعائر الإسلام التي يَلْتَزِمها غير المسلمين في المجتمع المسلم: مراعاةُ شعورِ المسلمين في عباداتهم، ويَظْهَر ذلك جليًّا في المملكة العربية السعودية، بمنعِ الوافدين من إظهارِ شيءٍ من صورِ الشركِ، وما يخالفُ التوحيدَ الذي قامت عليه هذه البلاد، ويَظْهَر أيضًا في تعظيمِ شأنِ الصلاة، والإلزامِ بتعطيلِ الأعمال لأجل أدائها. وفي شهر رمضان الكريم يُلْزَم غيرُ المسلمين في المملكة باحترامِ شعور المسلمين، فمع بداية شهر رمضان من كلِّ سنة تَدْعو وزارة الداخلية - عبر وسائل الإعلام المختلفة - جميعَ المُقيمينَ من غير المسلمين في المملكة - إلى احترام مشاعر المسلمين، وعدم المُجَاهَرة بالأكل، والشرب، أو التدخين! في المحلات العامة، أو أماكن العمل خلال شهر رمضان المبارك، ويَنص البيان الذي يَصْدُر في ذلك على أنه لا يُعْفِيهم من ذلك كونُهم غيرَ مسلمين؛ لأن ذلك يأتي تمشيًّا مع شعائر الدين الإسلامي، وهو ما تُوجِبه عقودُ العمل معهم من: المحافظة على قدسيَّة الإسلام، والتقيُّد بأنظمة البلاد، ويَنُصُّ البيان أيضًا على أن مَن لم يتقيَّد بذلك تتَّخذ السلطات المسؤولة بحقِّه الإجراءات الرَّادِعة من إنهاء العمل وإبعاده عن المملكة، وليت دولَ الإسلامِ كلَّها تَفْعَل ذلك؛ لأن لذلك أثرَه الإيجابيَّ على الدعوة، ولهذا فشعائر الإسلام، وآداب المسلمين في هذه البلاد، تُبْهِر غير المسلمين، وتَسْتَحوِذ على إعجابهم، وإن الألوفَ المؤلَّفة التي تتَّجه كل يوم إلى المساجد لَتُثِير اهتمامَ غيرِ المسلمين، لا سيما في هذا الشهر؛ حيث يَزْدَاد ارتباط المسلمين بالمساجد من خلال صلاة التراويح، كما أن مظهر الإفطار يأخذ بقلوب الكثير منهم. وإن من واجب الدعاة أن يَنْتَهِزوا الفرصة في هذا الشهر الكريم؛ لبَيَان محاسِن هذا الدين، وبيان حقيقة الصوم عند المسلمين، ومنزلته في الإسلام، وعليهم أن يتألَّفوا غيرَ المسلمين على الإسلام في هذا الشهر - شهرِ الجُودِ - حيث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أَجودَ ما يكون في هذا الشهر، ويَبْذُلوا لهم من وسائل الدعوة وأساليبها ما يستطيعون، لا سيما أن هذا الشهر له خصوصيته، ويُقْبِل فيه المَرْءُ على الطاعات، ويَبْذُل فيه المُحْسِنون الكثيرَ من أموالهم في سبيل الله. كما أن من الواجب على عامة المسلمين أن يُدْرِكوا مسؤوليتهم في دعوة غير المسلمين في هذا الشهر، من خلال سلوكهم وتعاملهم مع غير المسلمين، ومن خلال احترامهم لقدسيَّة هذا الشهر؛ لأن غير المسلمين يَنْظُرون إلى الصوم وآثاره على المسلمين، وقد يُخْطِئ بعضُهم عندما يتساهل في هذا الأمر، فتَجِده يَنْفُر من الإسلام من خلال سلوكه، ويَشْعُر غيرُ المسلمين أن الصوم حملٌ ثَقِيلٌ يتحمَّله؛ لأن من الناس من يكسل في هذا الشهر عن العمل، أو يُبَالِغ ويُسْرِف على نفسه في المأكل والمشرب والتَّرْفِيه، ولا يُرَاعي الحكمة من صيام هذا الشهر وفرضيته، التي أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]. إن صومَ هذا الشهرِ ليس حِمية عن الطعام أو الشراب فحسب، ففي البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن لم يَدَع قولَ الزُّور، والعملَ به، والجهلَ، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامَه وشرابَه))، وقد قيل:إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ مِنِّي تَصَامُمٌ وَفِي بَصَرِي غَضٌّ وَفِي مَنْطِقِي صَمْتُ فَحَظِّي إِذًا مِنْ صَوْمِيَ الجْوعُ وَالظَّمَا وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي صُمْتُ يَوْمًا فَمَا صُمْتُ اللهم اجعلنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، واهدِنا، واهدِ بنا يا أرحم الراحمين. المصدر مجلة المستقبل الإسلامي، العدد 137 رمضان 1423هـ / نوفمبر- ديسمبر 2002م