المنتقى المشبع من الشرح الممتع (30)
باب إخراج الزكاة
المراد بإخراج الزكاة هنا: زكاة المال، (ويجب على الفور مع إمكانه)؛ أي: مع إمكان الإخراج؛ لأن الأصل في الأوامرِ الفوريةُ، فإذا لَم يُمكنه الإخراج، فإنه لا يَلزمه، (إلا لضرر)، مثال ذلك: إذا كان ماله غائبًا، أو خَشِي على نفسه أو ماله إذا أخرَج الزكاة، ويَجوز أن يؤخِّر الزكاة لمصلحة وليس بضررٍ، أو من أجل أن يتحرَّى مَن يستحقُّها.
مسألة: لو أخَّر الزكاة عن موعدها، ثم زاد ماله، فإنَّ المعتبر وقت وجوبها عند تمام الحول، (فإن منعها جحدًا لوجوبها، كفَر عارِفٌ بالحُكم)؛ لأن المدار على الجحود، فإذا جحَد الوجوب وهو عارف بالحكم، كفَر؛ سواء أخرَجها أم لَم يُخرجها؛ لأنه اعتقَد خلاف ما دلَّ عليه الشرع، وكذلك الكتاب والسُّنة وإجماع المسلمين، فإذا انضمَّ إلى الجَحْد منْعٌ، صار أشدَّ وأعظمَ؛ لأنه كفر بالاعتقاد وفسق بالعمل.
(وأُخِذت منه)؛ لأنها وجَبت عليه، وتعلَّق بها حقُّ الغير، وهم أهل الزكاة، (وقُتِل) لرِدَّته فلا يُصلى عليه، وإذا تاب قُبِلت توبته، ولَم يُقتل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن بدَّل دينه، فاقتلوه))، (أو بُخلاً)؛ أي: منَع الزكاة بخلاً، (أُخِذت منه وعُزِّر)، والصحيح أنه يُعَزَّر بما وَرد في حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيمَن منَعها: ((إنا آخذوها وشَطْر ماله، عَزمة من عَزمات ربِّنا)).
(وتجب في مال صبي ومجنون)؛ لأنها حق آدمي، ولأنها تجب في المال؛ لقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه -: ((أعْلِمهم أنَّ الله افترَض عليهم صدقة في أموالهم)).
(فيُخرجها وليُّهما)؛ لوجوب إخراجها على الفور، والصحيح أنَّ وليَّهما مَن يتولَّى أمرَهما من الأقربين أو غيرهم، (ولا يجوز إخراجها إلا بنيَّة)؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ﴾ [الروم: 39]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى)).
(والأفضل أن يفرِّقها بنفسه)؛ وذلك لثلاثة أوجه:
(1) أن ينال أجْر التعب.
(2) أن يُبرِئ ذِمَّته بيقينٍ.
(3) أن يدفَع عنه المَذَمَّة.
(ويقول عند دفْعها هو وآخذها ما وَرَد)، ومن ذلك: "اللهم تقبَّل مني؛ إنك أنت السميع العليم"، أمَّا الآخذ، فيقول: "اللهم صلِّ عليك"، أو يدعو بما يراه مناسبًا؛ لأن الله قال لنبيِّه: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 103]؛ أي: ادْعُ لهم. (والأفضل إخراج زكاة كلِّ مالٍ في فقراء بلده، ولا يجوز نقْلُها إلى ما تُقْصَر فيه الصلاة)، فتبيَّن بذلك أنَّ هناك ثلاثة مواضع:
أولاً: بلدك، وهذا هو الأصل، وهو الأفضل بالنسبة لإخراج الزكاة.
ثانيًا: البلد القريب من بلدك، وهذا جائز، لكنَّه مفضول ما لَم يترجَّح لمصلحة أخرى.
ثالثًا: البلد البعيد الذي فوق مسافة القَصْر؛ فهذا لا يجوز.
وهذا الأخير ليس فيه دليلٌ واضح، وقال بعض العلماء: يجوز نقْلُها إلى البلد البعيد والقريب للحاجة أو للمصلحة، وهذا القول هو الصحيح؛ لعموم الدليل: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة: 60]؛ أي: للفقراء والمساكين في كل مكان.
(فإن فَعَل، أجْزَأتْ)، ولكنه يأثَم، (إلاَّ أن يكون في بلدٍ لا فقراء فيه، فيُفرِّقها في أقرب البلاد إليه)؛ لأن الأقربين أحقُّ من الأباعد، وسَبق أن قلنا: إنَّ الراجح في هذه المسألة أنه يجوز نقْلُها للحاجة أو للمصلحة.
(فإن كان في بلدٍ، وماله في آخر، أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في بلدٍ هو فيه)؛ لأن زكاة الفطر تتعلَّق بالبَدن، والمال زكاته تتعلَّق به.
(ويجوز تعجيل الزكاة لحَوْلين فأقل)؛ أي: يجوز أن يعجِّل الزكاة قبل وجوبها، لكن بشرط أن يكون عنده نصابٌ؛ لحديث علي أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجَّل من العباس صدقة سنتين؛ أي: قدَّم زكاة سنتين، (ولا يُستحب)؛ أي: تعجيل الزكاة؛ لأن الزكاة إنما تجب عند تمام الحول، فإخراجها عند تمام الحول أرْفَقُ بالمالك، ولأنه رُبَّما يَنقص النصاب أو يَتلف ماله كله قبل تمام الحول، فكان الأفضل ألاَّ يُعجِّلها، ولكنَّ نَفْيَ الاستحباب لا يَقتضي عدَمَ ثبوته لسبب شرعي، مثل: أن تدعو الحاجة للتعجيل، مسألة: لو عجَّل الزكاة لعام معيَّن، ثم نقَص النصاب بعد التعجيل، وقبل تمام الحول، فإنَّ ذلك يكون تطوعًا، ولو عجَّل الزكاة ثم زاد النصاب، فإنه تجب الزكاة في الزيادة أيضًا.
المنتقى المشبع من الشرح الممتع (30)
جاري تجهيز الصوت…
المنتقى المشبع من الشرح الممتع (30)باب إخراج الزكاة المراد بإخراج الزكاة هنا: زكاة المال، (ويجب على الفور مع إمكانه)؛ أي: مع إمكان الإخراج؛ لأن الأصل في الأوامرِ الفوريةُ، فإذا لَم يُمكنه الإخراج، فإنه لا يَلزمه، (إلا لضرر)، مثال ذلك: إذا كان ماله غائبًا، أو خَشِي على نفسه أو ماله إذا أخرَج الزكاة، ويَجوز أن يؤخِّر الزكاة لمصلحة وليس بضررٍ، أو من أجل أن يتحرَّى مَن يستحقُّها. مسألة: لو أخَّر الزكاة عن موعدها، ثم زاد ماله، فإنَّ المعتبر وقت وجوبها عند تمام الحول، (فإن منعها جحدًا لوجوبها، كفَر عارِفٌ بالحُكم)؛ لأن المدار على الجحود، فإذا جحَد الوجوب وهو عارف بالحكم، كفَر؛ سواء أخرَجها أم لَم يُخرجها؛ لأنه اعتقَد خلاف ما دلَّ عليه الشرع، وكذلك الكتاب والسُّنة وإجماع المسلمين، فإذا انضمَّ إلى الجَحْد منْعٌ، صار أشدَّ وأعظمَ؛ لأنه كفر بالاعتقاد وفسق بالعمل. (وأُخِذت منه)؛ لأنها وجَبت عليه، وتعلَّق بها حقُّ الغير، وهم أهل الزكاة، (وقُتِل) لرِدَّته فلا يُصلى عليه، وإذا تاب قُبِلت توبته، ولَم يُقتل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن بدَّل دينه، فاقتلوه))، (أو بُخلاً)؛ أي: منَع الزكاة بخلاً، (أُخِذت منه وعُزِّر)، والصحيح أنه يُعَزَّر بما وَرد في حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيمَن منَعها: ((إنا آخذوها وشَطْر ماله، عَزمة من عَزمات ربِّنا)). (وتجب في مال صبي ومجنون)؛ لأنها حق آدمي، ولأنها تجب في المال؛ لقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه -: ((أعْلِمهم أنَّ الله افترَض عليهم صدقة في أموالهم)). (فيُخرجها وليُّهما)؛ لوجوب إخراجها على الفور، والصحيح أنَّ وليَّهما مَن يتولَّى أمرَهما من الأقربين أو غيرهم، (ولا يجوز إخراجها إلا بنيَّة)؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ﴾ [الروم: 39]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى)). (والأفضل أن يفرِّقها بنفسه)؛ وذلك لثلاثة أوجه: (1) أن ينال أجْر التعب. (2) أن يُبرِئ ذِمَّته بيقينٍ. (3) أن يدفَع عنه المَذَمَّة. (ويقول عند دفْعها هو وآخذها ما وَرَد)، ومن ذلك: "اللهم تقبَّل مني؛ إنك أنت السميع العليم"، أمَّا الآخذ، فيقول: "اللهم صلِّ عليك"، أو يدعو بما يراه مناسبًا؛ لأن الله قال لنبيِّه: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 103]؛ أي: ادْعُ لهم. (والأفضل إخراج زكاة كلِّ مالٍ في فقراء بلده، ولا يجوز نقْلُها إلى ما تُقْصَر فيه الصلاة)، فتبيَّن بذلك أنَّ هناك ثلاثة مواضع:أولاً: بلدك، وهذا هو الأصل، وهو الأفضل بالنسبة لإخراج الزكاة.ثانيًا: البلد القريب من بلدك، وهذا جائز، لكنَّه مفضول ما لَم يترجَّح لمصلحة أخرى.ثالثًا: البلد البعيد الذي فوق مسافة القَصْر؛ فهذا لا يجوز. وهذا الأخير ليس فيه دليلٌ واضح، وقال بعض العلماء: يجوز نقْلُها إلى البلد البعيد والقريب للحاجة أو للمصلحة، وهذا القول هو الصحيح؛ لعموم الدليل: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة: 60]؛ أي: للفقراء والمساكين في كل مكان. (فإن فَعَل، أجْزَأتْ)، ولكنه يأثَم، (إلاَّ أن يكون في بلدٍ لا فقراء فيه، فيُفرِّقها في أقرب البلاد إليه)؛ لأن الأقربين أحقُّ من الأباعد، وسَبق أن قلنا: إنَّ الراجح في هذه المسألة أنه يجوز نقْلُها للحاجة أو للمصلحة. (فإن كان في بلدٍ، وماله في آخر، أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في بلدٍ هو فيه)؛ لأن زكاة الفطر تتعلَّق بالبَدن، والمال زكاته تتعلَّق به. (ويجوز تعجيل الزكاة لحَوْلين فأقل)؛ أي: يجوز أن يعجِّل الزكاة قبل وجوبها، لكن بشرط أن يكون عنده نصابٌ؛ لحديث علي أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجَّل من العباس صدقة سنتين؛ أي: قدَّم زكاة سنتين، (ولا يُستحب)؛ أي: تعجيل الزكاة؛ لأن الزكاة إنما تجب عند تمام الحول، فإخراجها عند تمام الحول أرْفَقُ بالمالك، ولأنه رُبَّما يَنقص النصاب أو يَتلف ماله كله قبل تمام الحول، فكان الأفضل ألاَّ يُعجِّلها، ولكنَّ نَفْيَ الاستحباب لا يَقتضي عدَمَ ثبوته لسبب شرعي، مثل: أن تدعو الحاجة للتعجيل، مسألة: لو عجَّل الزكاة لعام معيَّن، ثم نقَص النصاب بعد التعجيل، وقبل تمام الحول، فإنَّ ذلك يكون تطوعًا، ولو عجَّل الزكاة ثم زاد النصاب، فإنه تجب الزكاة في الزيادة أيضًا.