المنتقى المشبع من الشرح الممتع (4)
كتاب الطهارة
باب السواك وسنن الوضوء
 
السواك: اسمٌ يُطلَق على الآلة (التي هي العود)، ويُطلق على الفعل. وقدَّم السِّواك على الوضوء؛ لأنَّه مسنونٌ في كلِّ وقت، ولأنَّه من باب التطهير، فله صِلَة بباب الاستنجاء.
 
(التسوُّك بِعُود) دخل فيه كلُّ أجناس العيدان. (ليِّن) لأنَّ الأعواد القاسية لا تُفيد كالليِّن، وقد تضر اللثَة. (مُنْقٍ) خرج به العود الذي لا شعر له، ويكون رطبًا؛ فإنَّه لا ينقي. (غير مضرٍّ)؛ احترازًا مما يضرُّ، كالريحان. (لا يتفتَّت)؛ أيْ: لا يتساقط. (لا بأصبع)؛ أيْ: لا يسنُّ التسوُّك بالأصبع، لكن قد لا يكون عند الإنسان حالَ الوضوء شيءٌ من العيدان، فنقول: يُجزئ بالأصبع. (أو خرقةٍ)؛ أيْ: لا يُسنُّ التسوُّك بالخرقة، ومن قال: إنَّ الأصبع تحصل به السُّنة قال: إنَّ الخرقة من باب أولى. (مسنونٌ)؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسواك عند كلِّ صلاة))؛ أيْ: لولا المشقَّةُ لكان واجبًا لأهميته. (كل وقت)؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((السِّواك مَطْهرة للفم، مرضاة للربِّ))، فأطلق النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يقيِّـد في وقتٍ دون آخر. (لغير صائمٍ بعد الزَّوال)؛ أيْ: فلا يسنُّ، والدليل: قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا صُمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي)). والعشي بعد الزوال؛ ولقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لَخُلوف فم الصَّائم أطيبُ عند الله يوم القيامــة من ريح المسك))، فكلُّ ما كان ناشئًا عن طاعة الله فإنَّه لا يَنبغي إزالتُه، والراجح: أن السِّواك سُنَّة حتَّى للصائم قبل الزوال وبعده؛ لحديث عامر بن ربيعة: "رأيت النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستاك وهو صائم، ما لا أُحصي أو أَعُدُّ".
 
(متأكدٌ عند كلِّ صلاة)؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة))؛ أيْ: قُربها، وكلما قرب منها فهو أفضل. (وانتباهٍ) من النَّوم؛ لِحديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -: "كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك". (وتغيُّرِ فم)؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((السواك مَطْهرة للفم)). فمقتضى ذلك: أنَّه متى احتاج الفمُ إلى تطهير كان متأكدًا.
 
(ويستاك عرضًا) يحتمل أن يُقال: يرجع إلى ما تقتضيه الحال؛ لعدم ثبوت سُنَّة بيِّنة في ذلك. (مبتدئًا بجانب فمِه الأيمن)؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - "كان يُعجِبُـه التيمُّن في تنعُّله، وترجُّلِه، وطهوره، وفي شأنه كلِّه". وهل يستاك باليد اليمنى أو اليسرى؟ الأمر في هذا واسعٍ؛ لعدم ثبوت نصٍّ واضح. (ويدهن غبًّا)؛ أيْ: يستعمل الدهــن في شعره يومًا، ولا يفعل يومًا، وليس لازمًا أن يكون بهذا الترتيب، ولكن ينبغي أن يكون الإنسان وسطًا. (ويكتحل وترًا) قالوا: وينبغي أن يكتحل بالإِثْمِد كلَّ ليلة، وهو نوع من الكُحل مفيدٌ للعين. وأمَّا الاكتحال الذي لتجميل العين فالظَّاهر: أنه مشروعٌ للأنثى فقط.
 
(وتَجِب التَّسمية في الوضوء مع الذِّكْر)؛ أيْ: يقول: (بِسم الله) عند ابتداء الوُضوء، وتَسقط بالنِّسيان؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا وُضوء لمن لم يَذكر اسم الله عليه)).
(ويَجِب الخِتانُ ما لَم يَخف على نفسه) الخِتان: قَطْعُ الجِلدة التي فوق الحَشَفة. وللأنثى: قطع لحمةٍ زائدة فوق محلِّ الإيلاج. وظاهر كلام المؤلِّف: أنَّه واجبٌ على الذَّكر والأنثى، وهو المذهب، وأقرب الأقوال: أنَّه واجب في حقِّ الرجال، سُنَّة في حق النساء.
 
(ويُكره القزَعُ) القَزَع: حَلْقُ بعض الرأس وتَرْك بعضه، وهو مكروهٌ؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى غلامًا حلق بعض شعره، وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: ((احلقوه كلَّه، أو اتركوه كله))، إلاَّ إذا كان فيه تشبُّه بالكفار، فهو محرَّم.
 
(ومن سُنن الوضوء السِّواك) كما تقدَّم (وغسل الكفَّين ثلاثًا)؛ لأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان إذا توضَّأ بدأ بِغَسل الكفَّين ثلاثًا. (ويَجِب من نومِ ليلٍ) وهذا إذا أراد أن يَغمِسَهما في الإناء؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا استيقظَ أحَدُكم من نومـه، فلا يَغمس يده في الإناء حتَّى يغسِلَها ثلاثًا؛ فإنَّ أحدكم لا يَدري أين باتت يَدُه))، والبيتوتة لا تكون إلاَّ بالليل. (ناقضٍ لِوُضوء) والنوم الناقِضُ على المذهب: كلُّ نومٍ إلاَّ يسيرَ نوم من قائم أو قاعد. والرَّاجح: أن النَّوم الناقض للوضوء ما فقد به الإنسانُ إحساسَه.
 
(والبداءةُ بِمَضمضة ثُم استنشاق) وهذا بعد غسل الكفَّين، والأفضل أن يكون ثلاثَ مرَّات بثلاث غرفات، والبدءُ بِهما قبل غَسل الوجه أفضل، وإن أخَّرَهما بعد غسل الوجه جاز.
(والمبالغةُ فيهما لغير صائمٍ) المبالغةُ مكروهة للصَّائم؛ لأنَّها تؤدِّي إلى ابتلاع الماء؛ ولهذا قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - للقيط بن صَبِرَة: ((أسبِغِ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغْ في الاستنشاق، إلاَّ أن تكون صائمًا)).
 
(وتَخليلُ اللِّحيةِ الكثيفة)؛ أيْ: ويُسَنُّ تخليل اللِّحية الكثيفة، وهي ما تستر البشرة، وهذه لا يجب إلاَّ غسل ظاهرِها فقط، وعلى المشهور من المَذْهب - وهو الأقرب - أنَّه يجب غَسْلُ المسترسل منها؛ لأنَّها داخلةٌ في حدِّ الوجه. والتخليل له صفتان: الأولى: أن يأخذ كفًّا من ماء، ويجعله تحتها، ويَعْرُكها، حتى تتخلَّل به. الثانية: أن يأخذ كفًّا من ماء، ويخلِّلها بأصابعه كالمشط. والدليل: قول عثمان - رضي الله عنه -: "كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يخلِّل لحيته في الوضوء".
(والأصابع)؛ أيْ: تخليل أصابع اليدَيْن والرِّجلَيْن، وهو في الرِّجلين آكَدُ. وتخليلُ أصابعِ اليدين: أن يُدخل بعضهما ببعض، وأمَّا الرِّجلان فقالوا: يُخلِّلهما بخنصر يده اليسرى، مبتدئًا بخنصر رجله اليُمنى من الأسفل إلى الإبهام، ثُمَّ الرِّجل اليسرى يبدأ بها من الإبهام. وهذا استحسانٌ من بعض العلماء، لكن لا يلتزم به كَسُنَّة.
(والتَّيامُن) وهو خاصٌّ بالأعضاء الأربعةِ فقط، وهُما: اليدان والرِّجلان؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -: "كان الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعجبه التيمُّن في تنَعُّله وترجُّلِه وطُهُوره، وفي شأنه كلِّه". وأما المسح على الخُفَّين فإنه يستحب التيامن فيه، وهذا هو الأقرب، والأمر في هذا واسع.
 
(وأخذُ ماءٍ جديد للأذنين)؛ لِحَديث عبدالله بن زيد: "أنَّه رأى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماءً خلافَ الماء الذي أخذ لرأسه". وهذا الحديث شاذٌّ مُخالف لما رواه مسلِمٌ: "أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مسح برأسه بِماءٍ غير فضل يديه". فعلى هذا يكون الصَّواب: أنه لا يُسَنُّ أخْذُ ماءٍ جديد للأذنين. (والغَسْلة الثانية والثالثة)، وقد ثبت عن النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه توضَّأ مرَّة مرة، ومرَّتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وتوضأ كذلك مُخالفًا، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرَّتين، ورِجليه مرة. والأفضل: أن يأتي بِهذا مرة، وبِهذا مرة.