الاجتهاد وفوضى الإفتاء
الاجتهاد هو بذل الجهد من الفقيه في استِخراج الحكم الشَّرعي من دليلِه الشَّرعي. والمجتهِد هو الَّذي يَبذل جهدَه في استخراج الحكم الشَّرعي من الدَّليل الشرعي، فوظيفة المجتهد الكشف والإبانة. ومِن هنا ندرك أنَّ الاجتهاد ليس بتشْريع للأحكام وإنشائها، والمجتهد ليس مشرِّعًا ومنشِئًا لها، ولقد وَضع علماءُ الإسلام الربَّانيِّون شروطًا وضوابطَ فيمَن يصحُّ له أن يجتهِد، منها: إحاطته بالعلوم الإسلاميَّة وبالنصوص الشَّرعيَّة إحاطةً يغلب معها معرفة الدَّليل الصَّحيح، ومعْرِفة الاستِدْلال به على الوجْه الصَّحيح. ولَم يكتفِ علماء الإسلام بهذه الشُّروط التي تضْمن سلامة الفهم، حتَّى ضمُّوا شروطًا أخرى، وهي الصَّلاح والورَع والخلُق الحسَن والسِّيرة المرضية. وإنَّما أراد علماء الإسلام مِن وراء هذه الشروط أنْ يحقِّقوا هدفًا مهمًّا للغاية، وهو الحفاظ على الشَّريعة مِن أن يُدخِل فيها مَن ليْس أهلًا للاجتِهاد ما ليس منها، أو يُخرج منها ما هو مِن صميمِها. يقول ابن القيم: ولمَّا كان التَّبليغ عن الله سبحانه يَعتمد على العِلم بما يبلغ، والصِّدق فيه، لَم تَصلُح مرتبة التَّبليغ بالرِّواية والفتْيا إلَّا لِمَن اتَّصف بالعِلم والصِّدْق؛ فيكون عالمًا بما يبلّغ صادقًا فيه، ويكُون مع ذلك حسَن الطَّريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابهَ السِّرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنْصِبُ التَّوقيع عن الملوك بالمحلِّ الَّذي لا يُنكَر فضْلُه، ولا يُجهل قدْرُه، وهو مِن أعْلى المراتب السَّنِيَّات، فكيْف بمنصِب التَّوقيع عن ربِّ الأرض والسماوات؟! فحقيق بِمَن أُقيم في هذا المنصِب أنْ يُعِدَّ له عُدَّتَه، وأنْ يَتَأَهَّب له أُهْبَتَه، وأن يَعلم قدْر المقام الَّذي أقيمَ فيه، ولا يكون في صدْرِه حرجٌ مِن قول الحقِّ والصَّدع به؛ فإنَّ الله ناصِرُه وهاديه، وكيف هو المنصِبُ الَّذي تولَّاه بنفسِه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾ [النساء: 127]، وكفى بما تولَّاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ﴾ [النساء: 176]، وليعلم المفتي عمَّن ينوب في فتواه، وليُوقن أنَّه مسؤول غدًا، وموقوفٌ بين يَدَيِ الله. كما وضع عُلماء الشَّريعة قواعدَ وضوابط تَحمي الشَّريعة مِن زلَّات العُلماء التي لا يكون مقصودًا لديْهم فيها مخالفة الشَّريعة: منها: أنَّه لا اجتِهاد مع نصٍّ؛ يقول الإمام البخاري: وكانت الأئمَّة بعد النَّبيِّ صلَّى الله عليْه وسلَّم يَستشيرون الأُمَناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السُّنَّة لم يَتعدَّوه إلى غيره؛ اقتِداء بالنَّبي صلَّى الله عليْه وسلَّم. كما أنَّه يَجب تغيُّر الفتوى لمن أفتى متى ظهر له مخالفتُها لنصٍّ مِن النصوص، كما يَجب الرجوع عن الرَّأي وطرحُه متى ظهرت مخالفتُه للنَّصِّ، ولقد بوَّب علماء الإسلام في كتُبهم أبوابًا كثيرة ذكروا فيها هذا الأصل، فبوَّب الدرامي في "سننه": باب الرجُل يفتي بشيء ثمَّ يَبْلُغه عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فيرجع إلى قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وبوَّب الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتابه "الفقيه والمتفقِّه" فقال: "ذكْر ما رُوِي مِن رجوع الصَّحابة عن آرائهم التي رأَوْها إلى أحاديث النَّبي صلَّى الله عليْه وسلَّم إذا سمعوها ووعَوْها". وقال ابن القيم: "وقد كان السَّلف يشتدُّ عليهم معارَضة النُّصوص بآراء الرجال، ولا يُقِرُّون على ذلك". ويقول أيضًا: "وأنَّه لا يصار إلى الاجتِهاد والرَّأي إلا عند عدمه (يقصد نصوص الكتاب والسُّنَّة)، كما لا يُصار إلى التيمُّم إلَّا عند عدم الماء". كما قرَّروا أنَّ العقل تابعٌ للشَّرع، وأنَّ العقل ليس بحاكمٍ بل هو محْكوم، وأنَّه لا صِدامَ بين العقْل الصَّريح والنَّصِّ الصَّحيح، وكلُّها مسائل بيَّن وفصَّل فيها علماء السُّنَّة. والمقصود مِن هذه المسائل عمومًا هو حماية الشَّريعة، والوصول إلى نَهجٍ سويٍّ للاجتِهاد تستحقُّ معه السَّلامة في الحكم بالشَّريعة. الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد يجب أن يشترط لها شروط: الدَّعوة إلى فتْح باب الاجتِهاد دعوةٌ صحيحةٌ تَحتاجُها الأمَّة في مسيرتها، ولكن يَجب أن يُشترط فيمَن يقُوم بالاجتهاد نفس الشُّروط الَّتي وضعها علماء الأمَّة، كما ينبغي أن تنضبِط عمليَّة الاجتِهاد بنفس الضَّوابط التي وضعها علماء الأمَّة. فالاجتِهاد متى فُتِح بابه بهذه الضَّوابط، أدَّى إلى ما هدفتْ إليه الشَّريعة مِن تحقيقه مِن أهداف، وإذا فُتح باب الاجتِهاد بلا ضوابط فقد فُتِح بابُ التقوُّلِ على الله، والافتئاتِ على الشَّريعة، والنَّاظرُ في حال الواقع الفقْهي في زماننا يجِد ما جَنَتْهُ الدَّعوةُ إلى فتح باب الاجتهاد بلا ضوابطَ مِن فوضى في الفتاوى. فعددٌ ممَّن لم تتحقَّق فيهم أصلًا ملَكة الاجتِهاد يزعمون لأنفسهم هذه الدَّرجة، ولو أنَّهم اكتفَوا بهذا الزَّعم لهان الخطب، وقلَّ المصاب، وإنَّما أخذوا يُثبتون هذا الزَّعم عن طريق فتاويهم، والتي يَعْمِدون فيها إلى أن يأْتوا فيها بكلِّ جديد مُستَغرَب، لم تَعْهَدْه الأمَّة مِن قبل ولا تَعْرفه، وكأنَّ الاجتِهاد لديهم يعني أن يأتوا بجديد مستحْدَث، واضطرَّتْهم هذه الحالة أن يَلْوُوا أعناقَ الآياتِ مِن أجْل أن يقولوا: إنَّهم توصَّلوا في فهم النُّصوص إلى ما لم يتوصَّل إليه السَّابقون، وخذ مثالًا لذلك: قولهم في قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 65]، قال أحدُهم: إنَّ مفهوم القوميَّة أتى به القرآن، مع العِلم أنَّ مفهوم القوميَّة بكلِّ ما فيه يَتنافى صراحةً مع عقيدة المسلمين، فهو يَتنافى أصْلا مع عقيدة الولاء والبراء. ومن هؤلاء عدد آخَر، ينتمي لمؤسَّسات الدَّولة، وكلُّ همِّه أن يُفتي بالفتوى التي تُعَبِّر عن توجُّه دولته، بغضِّ النَّظر عمَّا إذا كانت النصوص تحتمل ذلك أو لا تحتمِلُه، وخذ مثالًا لذلِك فتوى تَحليل ربا البنوك؛ هل صدرتْ عن نظر في النصوص أم هي في الأصل جاءت تعبيرًا عن توجُّه سياسة دولة؟ ومن هؤلاء عددٌ آخَر، تستأجِرُه جهاتلٌ مشبوهةٌ ليُقدِّم لها أبحاثًا يُثبت بِها ما ليس بثابت في الشَّريعة، ويَنفي الثُّبوتَ عمَّا هو ثابت، وخذ مثالًا لذلِك تلك الأبحاث الَّتي تدَّعي إباحةَ خروجِ المرأةِ في المسلْسلات والأفلام بحجَّة تقديم فنٍّ منضبِط، وأبحاث أُخرى تُبيح عروض أزْياء للمحجَّبات تحت زعْم التَّرويج للحجاب والدَّعوة إليه. وآخر يزْعُم جواز قيامِ أحْزاب تقُوم على أسُس علمانيَّة أو إلحاديَّة، زاعمًا أنَّ تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة يدلُّ على ذلك؛ إذ إنَّ الأمَّة سمحَت بوجود فِرَق متعدِّدة، وآخرُ زعم أنَّ قول الرَّسول صلَّى الله عليْه وسلَّم: ((افترَقَت اليهودُ على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرَّقت النَّصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة)) - خرج مخرَجَ المدح؛ أي: إنَّ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم قد مدح الأمَّة على افتراقها! وخلط المجتهد المزْعوم بين الاختلاف المحْمود والاختلاف المذْموم، مع العِلم أنَّ طُرُق الحديث قاطبة تنفي هذا الفهم، ولكنَّه قال به إرضاءً لبعض الجهات التي تُريد أن تميِّع مفاهيم العقيدة. المخرج من هذه الأزمة: أوَّلًا: وضْع مناهج علميَّة تصِل بطَلَبة العِلم إلى تَحقيق شروط الاجتِهاد على المستوى العلمي والدِّيني، بِحيثُ يتمكَّن الطَّالب مِن المادَّة العلميَّة مِن ناحية، ومِن التخلُّق بأخلاق أهل العلْم من ناحية أُخْرى. ثانيًا: العمل على أن تستقلَّ المؤسَّسات العلميَّة تمامًا بحيثُ لا تكون هناك أيُّ جهة لها سُلطان عليها، وهذا الاستقلال لا بدَّ وأن يرتكز على عدَّة مرتكزات، أوَّلها: الاستِقْلال الاقتصادي، وثانيها: الاستِقْلال الأدبي، بحيثُ يتولَّى سلطة هذه المؤسَّسات الربَّانيُّون مِن أهل العلم، والربَّانيَّة لا يُخطئ إدراكَها أحد؛ فهي تفرض على صاحبها صفاتٍ وأخلاقًا تظهر حتمًا على الإنسان المتخلِّق بها. ثالثًا: لا بدَّ وأن تستعين المؤسَّسات الدينيَّة بأهل الخبرة في السِّياسات الدوليَّة وخطط الأعداء وأهدافهم في المنطقة، كما لا بدَّ من أن تستعينَ المؤسَّسة بمَن يكون خبيرًا بشؤون الدُّول وأنظِمتها؛ كي تخرج الفتوى سليمة من نقْص الرُّؤية الحقيقيَّة للواقع، وإلَّا فسوف تجرُّ كثيرٌ من الفتاوى على الأمَّة شرورًا كثيرة؛ لغياب وعْي الفقيه بحقيقة الواقع الَّذي أفتى فيه. رابعًا: في النَّوازل التي تحدُث والتي لم تحدُث مِن قبْل، لا بدَّ وأن يَشتركَ في الإفتاء جمعٌ كبير مِن أهل العلم الَّذين تحقَّقت فيهم شروط الاجتِهاد، فلم يعُد صعبًا أن يجتمع العُلماء مِن كل مكان، كما لم تعُد هناك صعوبة في المراسَلات. خامسًا: لا بدَّ أن تضع المؤسَّسات العلمية بجانب الإفتاء الصَّحيح، أن تضَع في حسبانها أن يكون لها دور كبير في إرجاع الأمَّة إلى ما كانت عليه في القرون الفاضلة، عن طريق عمل إصلاحي يشمل أفراد الأمَّة وحكَّامها، أو تهْيِئة الأمَّة لتتولَّى بنفسها الإصْلاح وإزالة العقبات، لا أن يكون هدفها انتِحال الأعْذار لكل انحراف، أو إصباغ الشَّرعيَّة على جهات معلومٌ للقاصي والداني أنَّها جهات حاربَت الإسلامَ ولا زالت تحاربه، وكل هذا يُتناسَى أمام حفْلة تكريم لحَفَظَة القرآن، أو احتِفال بمناسبة إسلاميَّة، أو عقد مؤتمر لمناقشة مسألة دينيَّة. وأخيرًا: علينا أن نعلم أنَّ خطر فوضى الاجتهاد والإفتاء لا يقلُّ عن خطر الغزو الفكري والعسكري الذي عانت منه الأمَّة ولا زالت تُعانيه، وتُعاني مِن آثاره، ففوضى الاجتهاد والإفتاء تؤدِّي إلى الافتئات على الله، والتقوُّل على الشَّريعة، وتميُّع الأمَّة بتميُّع شريعتها؛ ممَّا يفتح المجال واسعًا إلى تميُّع هويَّة الأمَّة وذوبانها وفقدانها لذاتيَّتها، وهو ما تصبو إلى فعله الجيوش الغازية لها. وآخر دعوانا أن الحمد لله.
الاجتهاد وفوضى الإفتاء
جاري تجهيز الصوت…
الاجتهاد وفوضى الإفتاءالاجتهاد هو بذل الجهد من الفقيه في استِخراج الحكم الشَّرعي من دليلِه الشَّرعي. والمجتهِد هو الَّذي يَبذل جهدَه في استخراج الحكم الشَّرعي من الدَّليل الشرعي، فوظيفة المجتهد الكشف والإبانة. ومِن هنا ندرك أنَّ الاجتهاد ليس بتشْريع للأحكام وإنشائها، والمجتهد ليس مشرِّعًا ومنشِئًا لها، ولقد وَضع علماءُ الإسلام الربَّانيِّون شروطًا وضوابطَ فيمَن يصحُّ له أن يجتهِد، منها: إحاطته بالعلوم الإسلاميَّة وبالنصوص الشَّرعيَّة إحاطةً يغلب معها معرفة الدَّليل الصَّحيح، ومعْرِفة الاستِدْلال به على الوجْه الصَّحيح. ولَم يكتفِ علماء الإسلام بهذه الشُّروط التي تضْمن سلامة الفهم، حتَّى ضمُّوا شروطًا أخرى، وهي الصَّلاح والورَع والخلُق الحسَن والسِّيرة المرضية. وإنَّما أراد علماء الإسلام مِن وراء هذه الشروط أنْ يحقِّقوا هدفًا مهمًّا للغاية، وهو الحفاظ على الشَّريعة مِن أن يُدخِل فيها مَن ليْس أهلًا للاجتِهاد ما ليس منها، أو يُخرج منها ما هو مِن صميمِها. يقول ابن القيم: ولمَّا كان التَّبليغ عن الله سبحانه يَعتمد على العِلم بما يبلغ، والصِّدق فيه، لَم تَصلُح مرتبة التَّبليغ بالرِّواية والفتْيا إلَّا لِمَن اتَّصف بالعِلم والصِّدْق؛ فيكون عالمًا بما يبلّغ صادقًا فيه، ويكُون مع ذلك حسَن الطَّريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابهَ السِّرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنْصِبُ التَّوقيع عن الملوك بالمحلِّ الَّذي لا يُنكَر فضْلُه، ولا يُجهل قدْرُه، وهو مِن أعْلى المراتب السَّنِيَّات، فكيْف بمنصِب التَّوقيع عن ربِّ الأرض والسماوات؟! فحقيق بِمَن أُقيم في هذا المنصِب أنْ يُعِدَّ له عُدَّتَه، وأنْ يَتَأَهَّب له أُهْبَتَه، وأن يَعلم قدْر المقام الَّذي أقيمَ فيه، ولا يكون في صدْرِه حرجٌ مِن قول الحقِّ والصَّدع به؛ فإنَّ الله ناصِرُه وهاديه، وكيف هو المنصِبُ الَّذي تولَّاه بنفسِه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾ [النساء: 127]، وكفى بما تولَّاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ﴾ [النساء: 176]، وليعلم المفتي عمَّن ينوب في فتواه، وليُوقن أنَّه مسؤول غدًا، وموقوفٌ بين يَدَيِ الله. كما وضع عُلماء الشَّريعة قواعدَ وضوابط تَحمي الشَّريعة مِن زلَّات العُلماء التي لا يكون مقصودًا لديْهم فيها مخالفة الشَّريعة: منها: أنَّه لا اجتِهاد مع نصٍّ؛ يقول الإمام البخاري: وكانت الأئمَّة بعد النَّبيِّ صلَّى الله عليْه وسلَّم يَستشيرون الأُمَناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السُّنَّة لم يَتعدَّوه إلى غيره؛ اقتِداء بالنَّبي صلَّى الله عليْه وسلَّم. كما أنَّه يَجب تغيُّر الفتوى لمن أفتى متى ظهر له مخالفتُها لنصٍّ مِن النصوص، كما يَجب الرجوع عن الرَّأي وطرحُه متى ظهرت مخالفتُه للنَّصِّ، ولقد بوَّب علماء الإسلام في كتُبهم أبوابًا كثيرة ذكروا فيها هذا الأصل، فبوَّب الدرامي في "سننه": باب الرجُل يفتي بشيء ثمَّ يَبْلُغه عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فيرجع إلى قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وبوَّب الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتابه "الفقيه والمتفقِّه" فقال: "ذكْر ما رُوِي مِن رجوع الصَّحابة عن آرائهم التي رأَوْها إلى أحاديث النَّبي صلَّى الله عليْه وسلَّم إذا سمعوها ووعَوْها". وقال ابن القيم: "وقد كان السَّلف يشتدُّ عليهم معارَضة النُّصوص بآراء الرجال، ولا يُقِرُّون على ذلك". ويقول أيضًا: "وأنَّه لا يصار إلى الاجتِهاد والرَّأي إلا عند عدمه (يقصد نصوص الكتاب والسُّنَّة)، كما لا يُصار إلى التيمُّم إلَّا عند عدم الماء". كما قرَّروا أنَّ العقل تابعٌ للشَّرع، وأنَّ العقل ليس بحاكمٍ بل هو محْكوم، وأنَّه لا صِدامَ بين العقْل الصَّريح والنَّصِّ الصَّحيح، وكلُّها مسائل بيَّن وفصَّل فيها علماء السُّنَّة. والمقصود مِن هذه المسائل عمومًا هو حماية الشَّريعة، والوصول إلى نَهجٍ سويٍّ للاجتِهاد تستحقُّ معه السَّلامة في الحكم بالشَّريعة. الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد يجب أن يشترط لها شروط: الدَّعوة إلى فتْح باب الاجتِهاد دعوةٌ صحيحةٌ تَحتاجُها الأمَّة في مسيرتها، ولكن يَجب أن يُشترط فيمَن يقُوم بالاجتهاد نفس الشُّروط الَّتي وضعها علماء الأمَّة، كما ينبغي أن تنضبِط عمليَّة الاجتِهاد بنفس الضَّوابط التي وضعها علماء الأمَّة. فالاجتِهاد متى فُتِح بابه بهذه الضَّوابط، أدَّى إلى ما هدفتْ إليه الشَّريعة مِن تحقيقه مِن أهداف، وإذا فُتح باب الاجتِهاد بلا ضوابط فقد فُتِح بابُ التقوُّلِ على الله، والافتئاتِ على الشَّريعة، والنَّاظرُ في حال الواقع الفقْهي في زماننا يجِد ما جَنَتْهُ الدَّعوةُ إلى فتح باب الاجتهاد بلا ضوابطَ مِن فوضى في الفتاوى. فعددٌ ممَّن لم تتحقَّق فيهم أصلًا ملَكة الاجتِهاد يزعمون لأنفسهم هذه الدَّرجة، ولو أنَّهم اكتفَوا بهذا الزَّعم لهان الخطب، وقلَّ المصاب، وإنَّما أخذوا يُثبتون هذا الزَّعم عن طريق فتاويهم، والتي يَعْمِدون فيها إلى أن يأْتوا فيها بكلِّ جديد مُستَغرَب، لم تَعْهَدْه الأمَّة مِن قبل ولا تَعْرفه، وكأنَّ الاجتِهاد لديهم يعني أن يأتوا بجديد مستحْدَث، واضطرَّتْهم هذه الحالة أن يَلْوُوا أعناقَ الآياتِ مِن أجْل أن يقولوا: إنَّهم توصَّلوا في فهم النُّصوص إلى ما لم يتوصَّل إليه السَّابقون، وخذ مثالًا لذلك: قولهم في قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 65]، قال أحدُهم: إنَّ مفهوم القوميَّة أتى به القرآن، مع العِلم أنَّ مفهوم القوميَّة بكلِّ ما فيه يَتنافى صراحةً مع عقيدة المسلمين، فهو يَتنافى أصْلا مع عقيدة الولاء والبراء. ومن هؤلاء عدد آخَر، ينتمي لمؤسَّسات الدَّولة، وكلُّ همِّه أن يُفتي بالفتوى التي تُعَبِّر عن توجُّه دولته، بغضِّ النَّظر عمَّا إذا كانت النصوص تحتمل ذلك أو لا تحتمِلُه، وخذ مثالًا لذلِك فتوى تَحليل ربا البنوك؛ هل صدرتْ عن نظر في النصوص أم هي في الأصل جاءت تعبيرًا عن توجُّه سياسة دولة؟ ومن هؤلاء عددٌ آخَر، تستأجِرُه جهاتلٌ مشبوهةٌ ليُقدِّم لها أبحاثًا يُثبت بِها ما ليس بثابت في الشَّريعة، ويَنفي الثُّبوتَ عمَّا هو ثابت، وخذ مثالًا لذلِك تلك الأبحاث الَّتي تدَّعي إباحةَ خروجِ المرأةِ في المسلْسلات والأفلام بحجَّة تقديم فنٍّ منضبِط، وأبحاث أُخرى تُبيح عروض أزْياء للمحجَّبات تحت زعْم التَّرويج للحجاب والدَّعوة إليه. وآخر يزْعُم جواز قيامِ أحْزاب تقُوم على أسُس علمانيَّة أو إلحاديَّة، زاعمًا أنَّ تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة يدلُّ على ذلك؛ إذ إنَّ الأمَّة سمحَت بوجود فِرَق متعدِّدة، وآخرُ زعم أنَّ قول الرَّسول صلَّى الله عليْه وسلَّم: ((افترَقَت اليهودُ على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرَّقت النَّصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة)) - خرج مخرَجَ المدح؛ أي: إنَّ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم قد مدح الأمَّة على افتراقها! وخلط المجتهد المزْعوم بين الاختلاف المحْمود والاختلاف المذْموم، مع العِلم أنَّ طُرُق الحديث قاطبة تنفي هذا الفهم، ولكنَّه قال به إرضاءً لبعض الجهات التي تُريد أن تميِّع مفاهيم العقيدة. المخرج من هذه الأزمة: أوَّلًا: وضْع مناهج علميَّة تصِل بطَلَبة العِلم إلى تَحقيق شروط الاجتِهاد على المستوى العلمي والدِّيني، بِحيثُ يتمكَّن الطَّالب مِن المادَّة العلميَّة مِن ناحية، ومِن التخلُّق بأخلاق أهل العلْم من ناحية أُخْرى. ثانيًا: العمل على أن تستقلَّ المؤسَّسات العلميَّة تمامًا بحيثُ لا تكون هناك أيُّ جهة لها سُلطان عليها، وهذا الاستقلال لا بدَّ وأن يرتكز على عدَّة مرتكزات، أوَّلها: الاستِقْلال الاقتصادي، وثانيها: الاستِقْلال الأدبي، بحيثُ يتولَّى سلطة هذه المؤسَّسات الربَّانيُّون مِن أهل العلم، والربَّانيَّة لا يُخطئ إدراكَها أحد؛ فهي تفرض على صاحبها صفاتٍ وأخلاقًا تظهر حتمًا على الإنسان المتخلِّق بها. ثالثًا: لا بدَّ وأن تستعين المؤسَّسات الدينيَّة بأهل الخبرة في السِّياسات الدوليَّة وخطط الأعداء وأهدافهم في المنطقة، كما لا بدَّ من أن تستعينَ المؤسَّسة بمَن يكون خبيرًا بشؤون الدُّول وأنظِمتها؛ كي تخرج الفتوى سليمة من نقْص الرُّؤية الحقيقيَّة للواقع، وإلَّا فسوف تجرُّ كثيرٌ من الفتاوى على الأمَّة شرورًا كثيرة؛ لغياب وعْي الفقيه بحقيقة الواقع الَّذي أفتى فيه. رابعًا: في النَّوازل التي تحدُث والتي لم تحدُث مِن قبْل، لا بدَّ وأن يَشتركَ في الإفتاء جمعٌ كبير مِن أهل العلم الَّذين تحقَّقت فيهم شروط الاجتِهاد، فلم يعُد صعبًا أن يجتمع العُلماء مِن كل مكان، كما لم تعُد هناك صعوبة في المراسَلات. خامسًا: لا بدَّ أن تضع المؤسَّسات العلمية بجانب الإفتاء الصَّحيح، أن تضَع في حسبانها أن يكون لها دور كبير في إرجاع الأمَّة إلى ما كانت عليه في القرون الفاضلة، عن طريق عمل إصلاحي يشمل أفراد الأمَّة وحكَّامها، أو تهْيِئة الأمَّة لتتولَّى بنفسها الإصْلاح وإزالة العقبات، لا أن يكون هدفها انتِحال الأعْذار لكل انحراف، أو إصباغ الشَّرعيَّة على جهات معلومٌ للقاصي والداني أنَّها جهات حاربَت الإسلامَ ولا زالت تحاربه، وكل هذا يُتناسَى أمام حفْلة تكريم لحَفَظَة القرآن، أو احتِفال بمناسبة إسلاميَّة، أو عقد مؤتمر لمناقشة مسألة دينيَّة. وأخيرًا: علينا أن نعلم أنَّ خطر فوضى الاجتهاد والإفتاء لا يقلُّ عن خطر الغزو الفكري والعسكري الذي عانت منه الأمَّة ولا زالت تُعانيه، وتُعاني مِن آثاره، ففوضى الاجتهاد والإفتاء تؤدِّي إلى الافتئات على الله، والتقوُّل على الشَّريعة، وتميُّع الأمَّة بتميُّع شريعتها؛ ممَّا يفتح المجال واسعًا إلى تميُّع هويَّة الأمَّة وذوبانها وفقدانها لذاتيَّتها، وهو ما تصبو إلى فعله الجيوش الغازية لها. وآخر دعوانا أن الحمد لله.