15 ربيع الآخر 1422هـ 21 ربيع الآخر 1422هـ يوليو 2001م 2 يوليو 2001م
جاري تجهيز الصوت…
أحداث عربية وإسلامية :
***15 من ربيع الآخر 576هـ :وفاة صدر الدين "أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد"، المعروف بالحافظ السِّلَفي:
ولد أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني في مدينة أصبهان ، والسِّلفة لفظ فارسي معناه ثلاث شفاه؛ لأن شفته كانت مشقوقة، فصارت مثل شفتين، غير الأخرى الأصلية، ومن هنا جاءت نسبته إليها، فعُرف بالسِّلَفي.
قى السلفي علومه الأولى في أصبهان، واتجه إلى دراسة الحديث النبوي، وهو في الثالثة عشرة من عمره، ولزم حلقات محدثي أصبهان المعروفين، من أمثال: "القاسم بن الفضل الثقفي"، و"عبد الرحمن بن محمد"، و"الفضل بن علي الحنفي"، ثم بدأ في الرحلة لطلب الحديث والتزام حلقات كبار الحفاظ المنتشرة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، وكانت التقاليد العلمية تقضي بذلك، فلم يكن هناك بلد يستأثر بالحفّاظ أو كبار الفقهاء دون غيره، ولكي يحصل طالب العلم شيئا له قدره، ويستكمل ما بدأ، فلابد له من الرحلة إلى مراكز العلم وحواضر الثقافة.
رحل السِّلّفي إلى بغداد، ودرس الفقه على "ألْكيا أبي حسن علي الهرّاس" الفقيه الأصولي المعروف، ودرس اللغة على "الخطيب أبي زكريا التبريزي"، وقرأ الحديث على "ثابت بن بندار"، ثم غادر بغداد، بعد أن ظل بها نحو أربع سنوات، ورحل إلى الحجاز، وسمع من علمائها في مكة والمدينة، ثم عاد إلى بغداد وأقام بها مدة، ثم رحل منها سنة 500هـ إلى المشرق الإسلامي، فزار همذان، واتصل بالشيخ الورع "أحمد بن محمد الغزالي" أخي حجة الإسلام "أبي حامد الغزالي" صاحب كتاب "إحياء علوم الدين"، وأقام معه فترة وتردد عليه في مجالس وعظه، ثم اتجه بعد ذلك إلى "دينور" و"قزوين" و"نهاوند"، وواصل سيره إلى "آمد" و"خلاط" و"نصيبين"، ولا يَسمع بعالم مبرّز في هذه البقاع إلا شدّ الرحال إليه ولازمه، حتى إذا أقبل عام 509هـ ولّى شطره إلى "دمشق"، وأقام بها عامين، ظل خلالهما موضع اهتمام وتقدير من علمائها وأهلها.
غادر السلفي دمشق إلى الإسكندرية، فوصلها في سنة 511هـ، وكان في السادسة والثلاثين من عمره، واشتغل منذ أن حلّ بها بتدريس الحديث، واستقرت به الحال، وتزوج سيدة ثرية من فضليات نساء الإسكندرية، كانت ابنة لرجل صالح، فتحسنت أحواله المالية، وتفرغ للقراءة والبحث والتأليف والتدريس، ولم يلبث أن طارت شهرته في الآفاق، فقصده طلاب العلم من مصر وخارجها، وظلّ يُلقي دروسه أول الأمر في داره أو مساجد المدينة نحو 27 سنة، إلى أن استقر في المدرسة التي عُرفت باسمه.
في الفترة التي أقام بها السلفي في الإسكندرية سنة 544هـ كانت مصر تتبع الدول الفاطمية، وكانت تمر بمرحلة متدهورة من تاريخ حياتها، فلما ولِي الوزارة "العادل بن السلام"- وكان وزيرا سُنيًّا- بنى مدرسة خاصة له في الإسكندرية لتدريس المذهب الشافعي، وجعل عليها أبا الطاهر السلفي، فغلبت نسبته عليها حتى عُرفت باسم "المدرسة السلفية".
وهذه المدرسة السلفية كانت الثانية في الإسكندرية لتدريس المذهب السُنّي، بعد المدرسة التي بناها الوزير "رضوان بن ولخش" في سنة 532 هـ لتدريس المذهب المالكي، وكانت الإسكندرية من أهم مراكز المقاومة السنية في مصر للمذهب الإسماعيلي الشيعي ـ المذهب الرسمي للدولة الفاطمية ـ ، وأدت المدرستان دوريهما، وأدتا إلى انتصار المذهب السني في مصر، بعد أن سقطت الدولة الفاطمية على يد "صلاح الدين الأيوبي".
قضى السلفي نحو 65 سنة في الإسكندرية، لم يغادرها إلا مرة واحدة إلى القاهرة؛ حيث أقام في الفسطاط، واتخذ حلقة في جامع عمرو بن العاص لتدريس الحديث، واتصل بعلماء الفسطاط، وأخذ عنهم، وأخذوا عنه، ثم عاد إلى الإسكندرية لا يفارقها، متفرغا لعلمه ودرسه، وقد أثنى عليه كبار العلماء، فقال عنه الذهبي: "لا أعلم أحدا في الدنيا حدّث نيفا وثمانين سنة سوى السلفي".
وظل السلفي يقرأ الحديث ويمليه على طلابه، لم يمنعه عن ذلك كبر سنه وضعف جسمه، فقد كانت ذاكرته متوهجة، حاضرة، لم يؤثر فيها كرّ السنين، حتى تُوفي في 15 من ربيع الآخر 576 هـ ، وقد سجل السُبكي في طبقات الشافعية اللحظات الأخيرة في عمره بقوله:"ولم يزل يُقرأ عليه إلى أن غربت الشمس من يوم وفاته، وهو يرد على القارئ اللحن الخفي، وصلى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر، وتُوفي عقيبه فجأة".
***16 ربيع الآخر 655هـ : مقتل شجرة الدر :
في سنة 647هـ كانت الحملة الصليبية السابعة على بلاد المسلمين عندما توجه الملك لويس التاسع بأسطوله للهجوم على سواحل مصر الشمالية واستطاع احتلال مدينة دمياط في ربيع الأول سنة 647هـ فقام الملك الصالح بإعداد جيوشه ومماليكه ونصب مخيمه قبالة الصليبيين حتى يمنعهم من التقدم ، وكان مريضًا مدنفًا ولكن قاوم مرضه وقاد الجيوش أمام العدو ولكنه ما لبث أن توفي في 15 شعبان 647هـ.
في هذا الوقت الحرج العصيب ظهرت شخصية قوية ومؤثرة على مجرى الأحداث وهي شخصية أم خليل المعروفة باسم "شجرة الدر" وكانت جارية عند الملك الصالح وكان يحبها جدًا فأعتقها ثم تزوجها فأنجب منها ولده الصغير "خليل" ولكنه مات في حياة والده .
كانت شجرة الدر لا تفارق الملك الصالح سفرًا ولا حضرًا وكانت معه أثناء حربه مع الصليبيين في دمياط وكانت تشرف على تطبيبه فعندما مات أدركت خطورة نشر خبر الموت على نفسية الجيوش والأعداء فأخفت موته وأظهرت أنه شديد المرض ومنعت أن يدخل عليه أحد، وبقيت تعلم عنه بعلامته ، وتوقع المناشير ، ثم أرسلت إلى كبار الأمراء فأخبرتهم بالأمر فأرسلوا إلى ولده الأكبر توران شاه وكان مغاضبًا لوالده في الشام فجاء سريعًا وقاد الجيوش بنفسه واستطاع الانتصار على الصليبيين ، ثم ما لبث أن تمالأ عليه أمراء أبيه فقتلوه شر قتلة ، ذلك لأنه استدار عليهم بعد أن كسر الصليبيين ، وهمَّ بهم لما كان منهم حال غضبه مع أبيه ، ولكنهم كانوا أسرع منه فقتلوه، وولوا مكانه الأمير " عز الدين أيبك " كبير المماليك الصالحية ولقب بالملك المعز وذلك بإشارة من "شجرة الدر".
استمر الحال في الديار المصرية لمدة ثمانين يومًا يخطب لشجرة الدر على المنابر وتضرب العملة باسمها وتوقع على المناشير والأوامر وذلك قبل أن تتزوج من الأمير عز الدين أيبك الذي صار ملكًا على مصر وإنما سكت الناس عن قيامها بالأمر احترامًا لذكرى زوجها وهي لم تكن بالفعل الحاكم في مصر ، ولكن كون الخطباء يدعون لها على المنابر جعل المؤرخين يظنون أنها كانت الحاكم ولكن هذا لا يليق بالمسلمين أبدًا أن يولوا أمرهم امرأة مع وجود النص المانع لذلك من السنة وتوافر الأكفاء لذلك المنصب.
لما تولى الملك المعز الأمر في مصر وتزوج شجرة الدر كان المعز صاحب همة عالية وديانة وصيانة واجه صعوبات كثيرة داخلية وخارجية تمثلت في وجود بعض الأمراء أمثال فارس الدين أقطاي الذي زادت قوته وشهرته بعد أن واجه الصليبيين في دمياط وقمع الثورات الداخلية في الصعيد وأصبح الأمير أقطاي ينكر على الملك المعز بعض الأمور وكان يرى نفسه أفضل وأحق بالأمر من المعز ثم تزوج أقطاي من إحدى الأميرات الأيوبيات فتحقق ظن المعز فيه فتحايل عليه حتى قتله وتفرق صف المماليك عندها إلى مماليك معزية و مماليك صالحية هم الذين فروا من مصر خوفًا من المعز وعملوا على الإطاحة به.
أما الخطر الخارجي فتمثل في محاولات الأيوبيين في الشام عزل المعز واستعادة مصر مرة أخرى لأملاك الدولة الأيوبية ومحاولاتهم غزو مصر عدة مرات ولكن الخليفة المستعصم أصلح بينهما على دخن.
حالت قوة وشجاعة الملك المعز ونشاطه وهمته العالية دون سقوط الملك عنه في مصر لمدة سبع سنوات كان فيها دائم اليقظة والحذر، ولكنه أقدم على خطوة كان فيها هلاكه من حيث لا يدري أبدًا ، حيث أنه أرسل يخطب ابنة الأمير بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل، ليس حبًا في النساء ولكن لكسب أرض في الشام تخفف من ضغط أمراء الأيوبيين عليه في مصر ، وهنا ظهرت "شجرة الدر" مرة أخرى ، وكانت غائبة طوال الفترة السابقة منذ أن تولى الملك المعز الأمر ، عندما علمت أن الملك المعز سوف يتزوج عليها فأخذتها غيرة النساء كل مأخذ ، فأمرت جواريها إذا دخل عليها الملك المعز أن يفتكن به ، فلما دخل عليها أمسكن به وقمن بضربه بالقباقيب على رأسه وعركن خصيته حتى مات ، فلما سمع مماليك الملك المعز الخبر وعرفوا من القاتل لملكهم أمسكوا بشجرة الدر وقتلوها شر قتلة وألقوها على مزبلة ، وكانت " شجرة الدر" قوية النفس بعيدة الهمة ، لما علمت أنه قد أحيط بها وأنها مقتولة لا محالة ، أتلفت شيئًا كثيرًا من الجواهر النفيسة ، كسرتها في الهاون ، لا لها ولا لغيرها.
***17 ربيع الآخر 365هـ : وفاة المعز الفاطمي :
منذ أن قامت الدولة الفاطمية في بلاد المغرب وهي تواجه اضطرابات وثورات داخلية كثيرة من أهل المغرب ، لرفضهم عقائد تلك الدولة الباطنية الملحدة .
ولقد بذل خلفاء الفاطميين جهدًا بالغًا في تحقيق الاستقرار لهم بالمغرب ولكنهم لم يفلحوا في ذلك ، فكلما أخمدوا ثورة قامت أخرى، لذلك حاول الفاطميون إيجاد كرسي لمملكتهم غير بلاد المغرب ، وكانت الديار المصرية أفضل البقاع المرشحة .
لذلك حاول الفاطميون فتحها عدة مرات لكنهم فشلوا وذلك في سنوات 301 ، 307، 321 ، 323هـ، وكان وجود شخصية قوية في قيادة مصر مثل كافور الإخشيدي مانعًا لمخططات الفاطميين.
ظهرت شخصية قوية في الدولة الفاطمية وهي الخليفة الرابع المعز "معد بن تميم" سنة 341هـ الذي ظل متربصًا بالأمر في مصر حتى تحين اللحظة المناسبة للهجوم ، وقد هيأ التربة داخل الديار المصرية بإرسال دعاة الفاطميين يروجون لهم، وجاءت الفرصة عندما مات كافور الإخشيدي سنة 357هـ فأرسل المعز قائده جوهر الصقلي واحتل مصر سنة 358 هـ وظل يوطد له أركان الدولة حتى دخلها المعز الفاطمي سنة 362هـ وأعلن قيام الدولة الفاطمية في مصر واصطحب معه توابيت آبائه ليدفنهم في مصر وبنى مدينة القاهرة تفاؤلاً بقهر الدولة العباسية.
كان المعز الفاطمي صاحب شخصية قوية وهمة عالية ، عمل من يوم أن دخل الديار المصرية على تثبيت أركان الدولة الفاطمية فيها ، وتدعيم الرفض والتشيع ، فأنشأ الجامع الأزهر كمنارة للمذهب الفاطمي وأسند المناصب العليا وخاصة مناصب القضاة للشيعة وأحدث الاحتفال بالمولد النبوي وبغيره من الموالد لخداع المصريين وإلهائهم بتلك المظاهر والزينات عن فساد عقيدته ، وكتب سب الصحابة على أبواب المساجد، وعمل المعز على الاستعانة بأهل الكتاب من النصارى واليهود لخوفه من المسلمين السُّنَّة ، فاستعان بكثير من الأطباء اليهود وترقى بعضهم في المناصب حتى صار أحدهم وهو يعقوب بن كلس وزيرًا لابنه العزيز .
عندما دخل المعز الفاطمي الديار المصرية وسأل العلماء عن أصله ونسبه وحسبه ، شهر سيفه قائلاً : هذا نسبي ، ثم نثر الذهب وقال : هذا حسبي ، وبهذه السياسة الترغيبية الترهيبية استطاع المعز أن يضم مصر وبلاد الشام للدولة الفاطمية ، ثم كانت قمة النجاح للمعز الفاطمي عندما خطب له في الحرمين وقطعت الخطبة عن الخليفة العباسي الطائع، وذلك في شهر محرم سنة 364هـ ، واستمرت الخطبة للخلفاء الفاطميين في الحرمين ، مدة قرنين من الزمان.
كان المعز الفاطمي شديد العداوة والكره لأهل السنة خاصة العلماء والصلحاء منهم، فعندما استولى على دمشق أحضر بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك الإمام أبا بكر النابلسي وقال له : بَلَغَني عنك أنك قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين بسهم، فقال له أبو بكر: "ما قلت هذا" ، فظن المعز أنه قد رجع عن قوله فقال له : "كيف قلت؟" فقال أبو بكر: "قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ونرمي الروم بالعاشر" ، قال المعز : "ولِمَ ؟ " ، فقال أبو بكر: "لأنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم" ، فاشتد غضب الطاغية الجبار المعز وأمر به فضُرب بالسياط ضربًا شديدًا مبرحًا ثم أمر بسلخه فجيء بيهودي ليسلخه ، وكان أبو بكر يقرأ القرآن فرحمه اليهودي ورق له فضربه بسكين في قلبه ليموت ويستريح من السلخ فمات رحمه الله.
وكان المعز الفاطمي في شدة وحزم وسياسة للرعية ، وكان يظهر للناس أنه يعدل بينهم وينصر الحق .
جاءته امرأة كافور الإخشيدي الذي كان يملك مصر قبله وذكرت أنها أودعت عند يهودي مالاً عظيمًا فجحده ، فأمر المعز فحفرت داره فعثر على المال في جرة مدفونة في الدار ، فسلمه المعز لامرأة كافور ، فأرادت المرأة أن تعطيه المال هدية فأبى أن يقبله منها، فاستحسن الناس منه ذلك، وعلى الرغم من ذلك كان منجمًا يعتقد في النجوم اعتقادًا راسخًا فلا يقدم على عمل إلا بعد استشارة المنجمين .
جاءه يومًا منجمه الخاص به فقال له : إن عليك خوفًا في هذه السنة "التي مات فيها" فتوارى عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة فأنشأ لنفسه سردابًا ، وأحضر الأمراء وأوصا بولديه "نزار والعزيز" وفوض إليهما الأمر ، وقال لهم إنه ذاهب للقاء ربه ثم يعود، فصدقوه وبايعوه على ذلك ، ودخل المعز هذا السرداب فتوارى فيه سنة ، فكان المغاربة إذا رأوا سحابًا ترجل الفارس منهم له عن فرسه وأومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في ذلك الغمام، وصدق الله عندما قال في مثلهم (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)[الزخرف/54] ، ثم خرج إليهم بعد سنة وجلس في مقام الملك وحكم على عادته أيامًا، ثم جاءه قدره المحتوم وأجله المقسوم وسبحان الحي القيوم.
***19 ربيع الآخر 607هـ : حرب الكرج :
عندما مات السلطان الناصر صلاح الدين عميد البيت الأيوبي ، قُسِّمت بلاد الدولة الأيوبية بين إخوته وأبنائه ، وكان أخوه الملك العادل رفيقه في الجهاد وقرينه في العزم والجد والكفاءة ، لذلك ولاَّه الناصر في وصيته كلا من الكرك والثوبك وبلاد جعبد وحماة وحصونا كثيرة على الفرات، وكان الملك العادل يعتبر عميد البيت الأيوبي بعد وفاة الناصر صلاح الدين ، لذلك كان دائمًا يرجع إليه عند المشاكل والمنازعات ، كتلك التي حدثت بين ابني صلاح الدين "العزيز والأفضل" واليي مصر ودمشق .
بعدما دب الخلاف بين أمراء الدولة الأيوبية ، رأى الملك العادل أن من المصلحة توحيد هذه الدولة تحت رايته وذلك لأسباب عديدة منها:
1 ـ عدم كفاءة الأفضل بن صلاح الدين الذي كان واليًا على دمشق وسوء تدبير وزيره ابن الأثير الجزري ، ودمشق تعتبر هدفًا دائمًا لهجمات الصليبيين وتعتبر أيضًا قلب الشام ورمانة ميزانه.
2 ـ موت العزيز بن صلاح الدين والي مصر ، ولم يكن له سوى طفل صغير لا يصلح أن يكون مسؤولاً عن الديار المصرية وحفظ الثغور ، ومصر دائمًا هي الدرع الواقي ضد هجمات الصليبيين وأيضًا سواحلها هدف لهجمات الصليبيين.
3 ـ كون الدولة الأيوبية منذ نشأتها ، الدرع الواقي للشام ومصر وساحل الإسلام ضد هجمات الصليبيين على العالم الإسلامي فتوحيد هذه الدولة أو على الأقل مصر ودمشق وحلب وحماة ضروري وهام جدًا لمواجهة الحملات الصليبية التي لا تنقطع ، لذلك قرر الملك العادل توحيد الدولة الأيوبية ، وبالفعل استطاع سنة 596هـ أن يوحد معظم أملاك الدولة الأيوبية تحت رايته وجعل ولده الكامل على مصر وولده الآخر المعظم على مصر وولده الثالث الأوحد على خلاط وما حولها.
وبالفعل كانت نظرة الملك العادل بعيدة وثاقبة ، فلقد استغل الصليبيون الاختلاف القائم بين أبني صلاح الدين وهجموا على الشام سنة 593هـ ثم سنة 600هـ واستطاع الملك العادل الصمود أمام تلك الهجمات والحملات الصليبية المتعاقبة.
وبدلاً من أن يوافق باقي أمراء الشام والجزيرة على ما قام به الملك العادل من توحيد للشام ومصر للصمود أمام الهجمات الصليبية ، قاموا بمجاهرته بالعداوة والإغارة على بلاده، فقاموا بالهجوم على دمشق ومحاصرتها سنة 596هـ ثم معاودة الكرة سنة 597هـ ، وظلوا لفترة طويلة يتربصون به الدوائر ولكنهم قصروا عن التغلب عليه لقوته وضعفهم ، فهداهم تفكيرهم للجوء لحلف الشيطان ، ففي سنة 607هـ تمالأت ملوك الجزيرة ، صاحب الموصل وصاحب سنجار وصاحب إربل وصاحب حلب وملك الروم ، على مخالفة الملك العادل ومنابذته ومقابلته واستلاب الملك من يده ، على أن تكون الخبطة للملك "كنجرس بن قلج أرسلان" صاحب الروم وتحالفوا من أجل ذلك مع أعدى أعداء الإسلام في هذه الفترة وهم "أهل الكرج" ، والكرج هم من نصارى الجبال الموجودة على حدود أذربيجان مع أوروبا ، فهم يعتبرون من نصارى روسيا ، وهم من أشد الناس بغضًا للمسلمين ، ربما أشد من الصليبيين في أوروبا "الفرنج" ، وظهرت قوتهم وعداوتهم للإسلام ابتداءً من سنة 599هـ ، عندما أغاروا على بلاد أذربيجان فسَبُوا وقتلوا ونهبوا وقويت شوكتهم وازدادت قوتهم وواصلوا هجومهم واعتداءاتهم على المسلمين ، ورغم هذه العداوة الشديدة لجأ ملوك الجزيرة إليهم ، طمعًا في الملك وحبًا في الدنيا الزائلة ، وحقدًا وحسدًا للملك العادل ، والله عز وجل العاصم من الزلل.
جاء حلف الشيطان وحاصروا مدينة خلاط "وهي بلدة عظيمة الخيرات تقع على حدود أرمينيا والشام" وكان عليها "الأوحد بن العادل" ، وجاء الكرج بملكهم العدو الكافر المجرم "إيواني" وحاصروا خلاط وشددوا عليها الحصار وأيقنوا أنهم فاتحوها لا محالة ، ولكن الله عز وجل لكيدهم بالمرصاد ، فحدث في يوم الاثنين الموافق 19 ربيع الآخر 607هـ أن خرج ملك الكرج الكافر "إيواني" وهو مخمور على جواده يدور حول حصن المدينة فسقط به جواده في بعض الحفر التي قد أعدت مكيدة حول البلد فخرج إليه المسلمون وأخذوه أسيرًا حقيرًا ذليلاً وأصيب الكرج في مقتل ، حتى إذا وقف الأسير بين يدي الأمير أطلقه نظير فدية قدرها مائتا ألف دينار وألفا أسير من المسلمين ، وتسليم إحدى وعشرين قلعة متاخمة لبلاد خلاط ، وأن يتزوج أخوه الأشرف موسى من ابنته ، وأن يكون له عونا على من يحاربه ، فوافق "إيواني" على تلك الشروط كلها ، فأرسل الأوحد لأبيه الملك العادل يخبره بالأمر والشروط ، فكاد الملك العادل أن يطير من الفرح وحمد الله عز وجل وشكره وفرق الصدقات والأموال على الفقراء، فلما وصلت الأخبار لباقي ملوك الجزيرة خضعوا وذلوا عند ذلك وأذهب الله كيدهم في نحورهم وأرسلوا يعتذرون إليه عما كان منهم.
من غريب ما حدث في هذه الواقعة أن قسيس الملك الكافر كان ينظر في النجوم فقال للملك قبل ذلك بيوم : " واعلم أنك تدخل غدًا إلى قلعة خلاط ولكن بزي غير ذلك وقت آذان العصر " ، فوافق ذلك دخوله إليها أسيرًا وقت آذان العصر.
*** 21 ربيع الآخر 1409هـ : استئناف الدراسة بجامع القرويين :
تم استئناف الدراسة بجامع القرويين بمدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب الأقصى، وذلك بعد أن كانت الدراسة بالجامع قد توقفت لمدة تزيد على ثلاثة عقود من الزمن.
و قد كان عدد الطلبة الذين سُجّلوا في هذا الفوج 150 طالباً اختيروا من بين الناجحين في مباراة الالتحاق بجامع القرويين.
بدأت الدراسة ببرنامج كثير المواد والدروس، طويل المدة، التي تبلغ 12 سنة، تتوزع على ثلاثة أطوار: الطور الابتدائي: 3 سنوات، و الطور الثانوي: 6 سنوات، والطور النهائي: 3 سنوات.
و قد قطع هذا الفوج الأول هذه المدة، فسقط منه أكثر من نصفه، و تخرج من الباقي 28 عالما، برسم السنة الدراسية 1420-1421هـ/1999-2000م . كان ذلك أول فوج من العلماء يتخرج من جامع القرويين، بعد توقف دام ردحا من الزمن.
وبذلك فتح باب الأمل لربط الصلة بين حاضر الأمة و ماضيها في هذه البقعة من الأرض، وفي جامع كان بيتا للعبادة والذكر، ومقرا للنور والهدى، ومعهدا للعلم والحكمة ، طاول القرون والأجيال، وعاصر الخطوب والأهوال، وأنشأ العقول والرجال، وكانت عليه الموردة من المشرق والمغرب.
كان جامع القرويين مركزا صنع فيه رجال قاوموا الاستعمار الفرنسي للمغرب، و إن المغاربة ليذكرون ما قاله الجنرال الفرنسي " ليوطي" في جامع القرويين، بعدما لقي من شدة بأس أهله ورواده ، حيث قال: " لا استقرار لنا في المغرب إلا بالقضاء على هذا البيت المظلم " ، و هو يعني جامع القرويين، لكن سعيه خاب و لم يقدر على شيء من ذلك. و لنقف في هذه الكلمات وقفات مع هذا الجامع المنارة من أجل التعريف به و بتاريخه ودوره في حفظ التراث الإسلامي، والمقومات الثقافية للأمة .
أسس الإمام إدريس بن إدريس (177-213هـ) مدينة فاس لتكون مقرا للدولة الإدريسية، ودار علم وفقه و دين في المغرب الأقصى، و كان ابتداء ذلك في غرة ربيع الأول سنة 192هـ ، فأسس العدوة التي نزل بها أهل الأندلس و أضيف اسمها إليهم، و في غرة ربيع الآخر سنة 193هـ شرع في بناء العدوة الأخرى التي نزل بها أهل القيروان و أضيف اسمها إليهم. و في عهد الإمام يحيى بن محمد بن إدريس، خامس الأدارسة المتولي سنة 234هـ ، ضاقت مدينة فاس بسكانها لتوالي وفود العرب عليها فبنيت الأرباض بخارجها، و كثرت العمارة بها، و بنى الأمير الحمامات و الفنادق. و كان من أهل القيروان النازلين بفاس: أم البنين فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري، و قد رأت أن تتقرب إلى الله بالتوسعة على الناس في إقامة دينهم، و بناء بيت يذكر فيه اسم الله، فاشترت أرضا في عدوة الواردين القرويين لتجعل منها مسجدا، و شرعت في حفر أساسه و بنائه فهلَّ رمضان سنة 245هـ ، وتم بنائه في أربع بلاطات و صحن صغير، و كان محرابه في موضع الثريا الكبرى، وصومعته غير مرتفعة تقع في مكان قبة العنزة، و طوله من الحائط الغربي إلى الحائط الشرقي 150هـ شبرا.
وفي تلك السنة بنت أختها مريم مسجدا بعدوة أهل الأندلس، فكان تأسيس المسجدين معا من عمل النساء، و صار كل مسجد يعرف بالإضافة إلى العدوة التي هو فيها من ضفتي نهر فاس، فيقال: "مسجد عدوة القرويين"، و "مسجد عدوة أهل الأندلس"، ثم صار هذا يعرف بمسجد الأندلس، وذاك يضاف إلى القرويين الواردين من مدينة القيروان التي اختطها بإفريقية عقبة بن نافع الفهري سنة 50هـ .
أحداث عربية وإسلامية :
***15 من ربيع الآخر 576هـ :وفاة صدر الدين "أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد"، المعروف بالحافظ السِّلَفي:
ولد أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني في مدينة أصبهان ، والسِّلفة لفظ فارسي معناه ثلاث شفاه؛ لأن شفته كانت مشقوقة، فصارت مثل شفتين، غير الأخرى الأصلية، ومن هنا جاءت نسبته إليها، فعُرف بالسِّلَفي.
قى السلفي علومه الأولى في أصبهان، واتجه إلى دراسة الحديث النبوي، وهو في الثالثة عشرة من عمره، ولزم حلقات محدثي أصبهان المعروفين، من أمثال: "القاسم بن الفضل الثقفي"، و"عبد الرحمن بن محمد"، و"الفضل بن علي الحنفي"، ثم بدأ في الرحلة لطلب الحديث والتزام حلقات كبار الحفاظ المنتشرة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، وكانت التقاليد العلمية تقضي بذلك، فلم يكن هناك بلد يستأثر بالحفّاظ أو كبار الفقهاء دون غيره، ولكي يحصل طالب العلم شيئا له قدره، ويستكمل ما بدأ، فلابد له من الرحلة إلى مراكز العلم وحواضر الثقافة.
رحل السِّلّفي إلى بغداد، ودرس الفقه على "ألْكيا أبي حسن علي الهرّاس" الفقيه الأصولي المعروف، ودرس اللغة على "الخطيب أبي زكريا التبريزي"، وقرأ الحديث على "ثابت بن بندار"، ثم غادر بغداد، بعد أن ظل بها نحو أربع سنوات، ورحل إلى الحجاز، وسمع من علمائها في مكة والمدينة، ثم عاد إلى بغداد وأقام بها مدة، ثم رحل منها سنة 500هـ إلى المشرق الإسلامي، فزار همذان، واتصل بالشيخ الورع "أحمد بن محمد الغزالي" أخي حجة الإسلام "أبي حامد الغزالي" صاحب كتاب "إحياء علوم الدين"، وأقام معه فترة وتردد عليه في مجالس وعظه، ثم اتجه بعد ذلك إلى "دينور" و"قزوين" و"نهاوند"، وواصل سيره إلى "آمد" و"خلاط" و"نصيبين"، ولا يَسمع بعالم مبرّز في هذه البقاع إلا شدّ الرحال إليه ولازمه، حتى إذا أقبل عام 509هـ ولّى شطره إلى "دمشق"، وأقام بها عامين، ظل خلالهما موضع اهتمام وتقدير من علمائها وأهلها.
غادر السلفي دمشق إلى الإسكندرية، فوصلها في سنة 511هـ، وكان في السادسة والثلاثين من عمره، واشتغل منذ أن حلّ بها بتدريس الحديث، واستقرت به الحال، وتزوج سيدة ثرية من فضليات نساء الإسكندرية، كانت ابنة لرجل صالح، فتحسنت أحواله المالية، وتفرغ للقراءة والبحث والتأليف والتدريس، ولم يلبث أن طارت شهرته في الآفاق، فقصده طلاب العلم من مصر وخارجها، وظلّ يُلقي دروسه أول الأمر في داره أو مساجد المدينة نحو 27 سنة، إلى أن استقر في المدرسة التي عُرفت باسمه.
في الفترة التي أقام بها السلفي في الإسكندرية سنة 544هـ كانت مصر تتبع الدول الفاطمية، وكانت تمر بمرحلة متدهورة من تاريخ حياتها، فلما ولِي الوزارة "العادل بن السلام"- وكان وزيرا سُنيًّا- بنى مدرسة خاصة له في الإسكندرية لتدريس المذهب الشافعي، وجعل عليها أبا الطاهر السلفي، فغلبت نسبته عليها حتى عُرفت باسم "المدرسة السلفية".
وهذه المدرسة السلفية كانت الثانية في الإسكندرية لتدريس المذهب السُنّي، بعد المدرسة التي بناها الوزير "رضوان بن ولخش" في سنة 532 هـ لتدريس المذهب المالكي، وكانت الإسكندرية من أهم مراكز المقاومة السنية في مصر للمذهب الإسماعيلي الشيعي ـ المذهب الرسمي للدولة الفاطمية ـ ، وأدت المدرستان دوريهما، وأدتا إلى انتصار المذهب السني في مصر، بعد أن سقطت الدولة الفاطمية على يد "صلاح الدين الأيوبي".
قضى السلفي نحو 65 سنة في الإسكندرية، لم يغادرها إلا مرة واحدة إلى القاهرة؛ حيث أقام في الفسطاط، واتخذ حلقة في جامع عمرو بن العاص لتدريس الحديث، واتصل بعلماء الفسطاط، وأخذ عنهم، وأخذوا عنه، ثم عاد إلى الإسكندرية لا يفارقها، متفرغا لعلمه ودرسه، وقد أثنى عليه كبار العلماء، فقال عنه الذهبي: "لا أعلم أحدا في الدنيا حدّث نيفا وثمانين سنة سوى السلفي".
وظل السلفي يقرأ الحديث ويمليه على طلابه، لم يمنعه عن ذلك كبر سنه وضعف جسمه، فقد كانت ذاكرته متوهجة، حاضرة، لم يؤثر فيها كرّ السنين، حتى تُوفي في 15 من ربيع الآخر 576 هـ ، وقد سجل السُبكي في طبقات الشافعية اللحظات الأخيرة في عمره بقوله:"ولم يزل يُقرأ عليه إلى أن غربت الشمس من يوم وفاته، وهو يرد على القارئ اللحن الخفي، وصلى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر، وتُوفي عقيبه فجأة".
***16 ربيع الآخر 655هـ : مقتل شجرة الدر :
في سنة 647هـ كانت الحملة الصليبية السابعة على بلاد المسلمين عندما توجه الملك لويس التاسع بأسطوله للهجوم على سواحل مصر الشمالية واستطاع احتلال مدينة دمياط في ربيع الأول سنة 647هـ فقام الملك الصالح بإعداد جيوشه ومماليكه ونصب مخيمه قبالة الصليبيين حتى يمنعهم من التقدم ، وكان مريضًا مدنفًا ولكن قاوم مرضه وقاد الجيوش أمام العدو ولكنه ما لبث أن توفي في 15 شعبان 647هـ.
في هذا الوقت الحرج العصيب ظهرت شخصية قوية ومؤثرة على مجرى الأحداث وهي شخصية أم خليل المعروفة باسم "شجرة الدر" وكانت جارية عند الملك الصالح وكان يحبها جدًا فأعتقها ثم تزوجها فأنجب منها ولده الصغير "خليل" ولكنه مات في حياة والده .
كانت شجرة الدر لا تفارق الملك الصالح سفرًا ولا حضرًا وكانت معه أثناء حربه مع الصليبيين في دمياط وكانت تشرف على تطبيبه فعندما مات أدركت خطورة نشر خبر الموت على نفسية الجيوش والأعداء فأخفت موته وأظهرت أنه شديد المرض ومنعت أن يدخل عليه أحد، وبقيت تعلم عنه بعلامته ، وتوقع المناشير ، ثم أرسلت إلى كبار الأمراء فأخبرتهم بالأمر فأرسلوا إلى ولده الأكبر توران شاه وكان مغاضبًا لوالده في الشام فجاء سريعًا وقاد الجيوش بنفسه واستطاع الانتصار على الصليبيين ، ثم ما لبث أن تمالأ عليه أمراء أبيه فقتلوه شر قتلة ، ذلك لأنه استدار عليهم بعد أن كسر الصليبيين ، وهمَّ بهم لما كان منهم حال غضبه مع أبيه ، ولكنهم كانوا أسرع منه فقتلوه، وولوا مكانه الأمير " عز الدين أيبك " كبير المماليك الصالحية ولقب بالملك المعز وذلك بإشارة من "شجرة الدر".
استمر الحال في الديار المصرية لمدة ثمانين يومًا يخطب لشجرة الدر على المنابر وتضرب العملة باسمها وتوقع على المناشير والأوامر وذلك قبل أن تتزوج من الأمير عز الدين أيبك الذي صار ملكًا على مصر وإنما سكت الناس عن قيامها بالأمر احترامًا لذكرى زوجها وهي لم تكن بالفعل الحاكم في مصر ، ولكن كون الخطباء يدعون لها على المنابر جعل المؤرخين يظنون أنها كانت الحاكم ولكن هذا لا يليق بالمسلمين أبدًا أن يولوا أمرهم امرأة مع وجود النص المانع لذلك من السنة وتوافر الأكفاء لذلك المنصب.
لما تولى الملك المعز الأمر في مصر وتزوج شجرة الدر كان المعز صاحب همة عالية وديانة وصيانة واجه صعوبات كثيرة داخلية وخارجية تمثلت في وجود بعض الأمراء أمثال فارس الدين أقطاي الذي زادت قوته وشهرته بعد أن واجه الصليبيين في دمياط وقمع الثورات الداخلية في الصعيد وأصبح الأمير أقطاي ينكر على الملك المعز بعض الأمور وكان يرى نفسه أفضل وأحق بالأمر من المعز ثم تزوج أقطاي من إحدى الأميرات الأيوبيات فتحقق ظن المعز فيه فتحايل عليه حتى قتله وتفرق صف المماليك عندها إلى مماليك معزية و مماليك صالحية هم الذين فروا من مصر خوفًا من المعز وعملوا على الإطاحة به.
أما الخطر الخارجي فتمثل في محاولات الأيوبيين في الشام عزل المعز واستعادة مصر مرة أخرى لأملاك الدولة الأيوبية ومحاولاتهم غزو مصر عدة مرات ولكن الخليفة المستعصم أصلح بينهما على دخن.
حالت قوة وشجاعة الملك المعز ونشاطه وهمته العالية دون سقوط الملك عنه في مصر لمدة سبع سنوات كان فيها دائم اليقظة والحذر، ولكنه أقدم على خطوة كان فيها هلاكه من حيث لا يدري أبدًا ، حيث أنه أرسل يخطب ابنة الأمير بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل، ليس حبًا في النساء ولكن لكسب أرض في الشام تخفف من ضغط أمراء الأيوبيين عليه في مصر ، وهنا ظهرت "شجرة الدر" مرة أخرى ، وكانت غائبة طوال الفترة السابقة منذ أن تولى الملك المعز الأمر ، عندما علمت أن الملك المعز سوف يتزوج عليها فأخذتها غيرة النساء كل مأخذ ، فأمرت جواريها إذا دخل عليها الملك المعز أن يفتكن به ، فلما دخل عليها أمسكن به وقمن بضربه بالقباقيب على رأسه وعركن خصيته حتى مات ، فلما سمع مماليك الملك المعز الخبر وعرفوا من القاتل لملكهم أمسكوا بشجرة الدر وقتلوها شر قتلة وألقوها على مزبلة ، وكانت " شجرة الدر" قوية النفس بعيدة الهمة ، لما علمت أنه قد أحيط بها وأنها مقتولة لا محالة ، أتلفت شيئًا كثيرًا من الجواهر النفيسة ، كسرتها في الهاون ، لا لها ولا لغيرها.
***17 ربيع الآخر 365هـ : وفاة المعز الفاطمي :
منذ أن قامت الدولة الفاطمية في بلاد المغرب وهي تواجه اضطرابات وثورات داخلية كثيرة من أهل المغرب ، لرفضهم عقائد تلك الدولة الباطنية الملحدة .
ولقد بذل خلفاء الفاطميين جهدًا بالغًا في تحقيق الاستقرار لهم بالمغرب ولكنهم لم يفلحوا في ذلك ، فكلما أخمدوا ثورة قامت أخرى، لذلك حاول الفاطميون إيجاد كرسي لمملكتهم غير بلاد المغرب ، وكانت الديار المصرية أفضل البقاع المرشحة .
لذلك حاول الفاطميون فتحها عدة مرات لكنهم فشلوا وذلك في سنوات 301 ، 307، 321 ، 323هـ، وكان وجود شخصية قوية في قيادة مصر مثل كافور الإخشيدي مانعًا لمخططات الفاطميين.
ظهرت شخصية قوية في الدولة الفاطمية وهي الخليفة الرابع المعز "معد بن تميم" سنة 341هـ الذي ظل متربصًا بالأمر في مصر حتى تحين اللحظة المناسبة للهجوم ، وقد هيأ التربة داخل الديار المصرية بإرسال دعاة الفاطميين يروجون لهم، وجاءت الفرصة عندما مات كافور الإخشيدي سنة 357هـ فأرسل المعز قائده جوهر الصقلي واحتل مصر سنة 358 هـ وظل يوطد له أركان الدولة حتى دخلها المعز الفاطمي سنة 362هـ وأعلن قيام الدولة الفاطمية في مصر واصطحب معه توابيت آبائه ليدفنهم في مصر وبنى مدينة القاهرة تفاؤلاً بقهر الدولة العباسية.
كان المعز الفاطمي صاحب شخصية قوية وهمة عالية ، عمل من يوم أن دخل الديار المصرية على تثبيت أركان الدولة الفاطمية فيها ، وتدعيم الرفض والتشيع ، فأنشأ الجامع الأزهر كمنارة للمذهب الفاطمي وأسند المناصب العليا وخاصة مناصب القضاة للشيعة وأحدث الاحتفال بالمولد النبوي وبغيره من الموالد لخداع المصريين وإلهائهم بتلك المظاهر والزينات عن فساد عقيدته ، وكتب سب الصحابة على أبواب المساجد، وعمل المعز على الاستعانة بأهل الكتاب من النصارى واليهود لخوفه من المسلمين السُّنَّة ، فاستعان بكثير من الأطباء اليهود وترقى بعضهم في المناصب حتى صار أحدهم وهو يعقوب بن كلس وزيرًا لابنه العزيز .
عندما دخل المعز الفاطمي الديار المصرية وسأل العلماء عن أصله ونسبه وحسبه ، شهر سيفه قائلاً : هذا نسبي ، ثم نثر الذهب وقال : هذا حسبي ، وبهذه السياسة الترغيبية الترهيبية استطاع المعز أن يضم مصر وبلاد الشام للدولة الفاطمية ، ثم كانت قمة النجاح للمعز الفاطمي عندما خطب له في الحرمين وقطعت الخطبة عن الخليفة العباسي الطائع، وذلك في شهر محرم سنة 364هـ ، واستمرت الخطبة للخلفاء الفاطميين في الحرمين ، مدة قرنين من الزمان.
كان المعز الفاطمي شديد العداوة والكره لأهل السنة خاصة العلماء والصلحاء منهم، فعندما استولى على دمشق أحضر بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك الإمام أبا بكر النابلسي وقال له : بَلَغَني عنك أنك قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين بسهم، فقال له أبو بكر: "ما قلت هذا" ، فظن المعز أنه قد رجع عن قوله فقال له : "كيف قلت؟" فقال أبو بكر: "قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ونرمي الروم بالعاشر" ، قال المعز : "ولِمَ ؟ " ، فقال أبو بكر: "لأنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم" ، فاشتد غضب الطاغية الجبار المعز وأمر به فضُرب بالسياط ضربًا شديدًا مبرحًا ثم أمر بسلخه فجيء بيهودي ليسلخه ، وكان أبو بكر يقرأ القرآن فرحمه اليهودي ورق له فضربه بسكين في قلبه ليموت ويستريح من السلخ فمات رحمه الله.
وكان المعز الفاطمي في شدة وحزم وسياسة للرعية ، وكان يظهر للناس أنه يعدل بينهم وينصر الحق .
جاءته امرأة كافور الإخشيدي الذي كان يملك مصر قبله وذكرت أنها أودعت عند يهودي مالاً عظيمًا فجحده ، فأمر المعز فحفرت داره فعثر على المال في جرة مدفونة في الدار ، فسلمه المعز لامرأة كافور ، فأرادت المرأة أن تعطيه المال هدية فأبى أن يقبله منها، فاستحسن الناس منه ذلك، وعلى الرغم من ذلك كان منجمًا يعتقد في النجوم اعتقادًا راسخًا فلا يقدم على عمل إلا بعد استشارة المنجمين .
جاءه يومًا منجمه الخاص به فقال له : إن عليك خوفًا في هذه السنة "التي مات فيها" فتوارى عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة فأنشأ لنفسه سردابًا ، وأحضر الأمراء وأوصا بولديه "نزار والعزيز" وفوض إليهما الأمر ، وقال لهم إنه ذاهب للقاء ربه ثم يعود، فصدقوه وبايعوه على ذلك ، ودخل المعز هذا السرداب فتوارى فيه سنة ، فكان المغاربة إذا رأوا سحابًا ترجل الفارس منهم له عن فرسه وأومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في ذلك الغمام، وصدق الله عندما قال في مثلهم (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)[الزخرف/54] ، ثم خرج إليهم بعد سنة وجلس في مقام الملك وحكم على عادته أيامًا، ثم جاءه قدره المحتوم وأجله المقسوم وسبحان الحي القيوم.
***19 ربيع الآخر 607هـ : حرب الكرج :
عندما مات السلطان الناصر صلاح الدين عميد البيت الأيوبي ، قُسِّمت بلاد الدولة الأيوبية بين إخوته وأبنائه ، وكان أخوه الملك العادل رفيقه في الجهاد وقرينه في العزم والجد والكفاءة ، لذلك ولاَّه الناصر في وصيته كلا من الكرك والثوبك وبلاد جعبد وحماة وحصونا كثيرة على الفرات، وكان الملك العادل يعتبر عميد البيت الأيوبي بعد وفاة الناصر صلاح الدين ، لذلك كان دائمًا يرجع إليه عند المشاكل والمنازعات ، كتلك التي حدثت بين ابني صلاح الدين "العزيز والأفضل" واليي مصر ودمشق .
بعدما دب الخلاف بين أمراء الدولة الأيوبية ، رأى الملك العادل أن من المصلحة توحيد هذه الدولة تحت رايته وذلك لأسباب عديدة منها:
1 ـ عدم كفاءة الأفضل بن صلاح الدين الذي كان واليًا على دمشق وسوء تدبير وزيره ابن الأثير الجزري ، ودمشق تعتبر هدفًا دائمًا لهجمات الصليبيين وتعتبر أيضًا قلب الشام ورمانة ميزانه.
2 ـ موت العزيز بن صلاح الدين والي مصر ، ولم يكن له سوى طفل صغير لا يصلح أن يكون مسؤولاً عن الديار المصرية وحفظ الثغور ، ومصر دائمًا هي الدرع الواقي ضد هجمات الصليبيين وأيضًا سواحلها هدف لهجمات الصليبيين.
3 ـ كون الدولة الأيوبية منذ نشأتها ، الدرع الواقي للشام ومصر وساحل الإسلام ضد هجمات الصليبيين على العالم الإسلامي فتوحيد هذه الدولة أو على الأقل مصر ودمشق وحلب وحماة ضروري وهام جدًا لمواجهة الحملات الصليبية التي لا تنقطع ، لذلك قرر الملك العادل توحيد الدولة الأيوبية ، وبالفعل استطاع سنة 596هـ أن يوحد معظم أملاك الدولة الأيوبية تحت رايته وجعل ولده الكامل على مصر وولده الآخر المعظم على مصر وولده الثالث الأوحد على خلاط وما حولها.
وبالفعل كانت نظرة الملك العادل بعيدة وثاقبة ، فلقد استغل الصليبيون الاختلاف القائم بين أبني صلاح الدين وهجموا على الشام سنة 593هـ ثم سنة 600هـ واستطاع الملك العادل الصمود أمام تلك الهجمات والحملات الصليبية المتعاقبة.
وبدلاً من أن يوافق باقي أمراء الشام والجزيرة على ما قام به الملك العادل من توحيد للشام ومصر للصمود أمام الهجمات الصليبية ، قاموا بمجاهرته بالعداوة والإغارة على بلاده، فقاموا بالهجوم على دمشق ومحاصرتها سنة 596هـ ثم معاودة الكرة سنة 597هـ ، وظلوا لفترة طويلة يتربصون به الدوائر ولكنهم قصروا عن التغلب عليه لقوته وضعفهم ، فهداهم تفكيرهم للجوء لحلف الشيطان ، ففي سنة 607هـ تمالأت ملوك الجزيرة ، صاحب الموصل وصاحب سنجار وصاحب إربل وصاحب حلب وملك الروم ، على مخالفة الملك العادل ومنابذته ومقابلته واستلاب الملك من يده ، على أن تكون الخبطة للملك "كنجرس بن قلج أرسلان" صاحب الروم وتحالفوا من أجل ذلك مع أعدى أعداء الإسلام في هذه الفترة وهم "أهل الكرج" ، والكرج هم من نصارى الجبال الموجودة على حدود أذربيجان مع أوروبا ، فهم يعتبرون من نصارى روسيا ، وهم من أشد الناس بغضًا للمسلمين ، ربما أشد من الصليبيين في أوروبا "الفرنج" ، وظهرت قوتهم وعداوتهم للإسلام ابتداءً من سنة 599هـ ، عندما أغاروا على بلاد أذربيجان فسَبُوا وقتلوا ونهبوا وقويت شوكتهم وازدادت قوتهم وواصلوا هجومهم واعتداءاتهم على المسلمين ، ورغم هذه العداوة الشديدة لجأ ملوك الجزيرة إليهم ، طمعًا في الملك وحبًا في الدنيا الزائلة ، وحقدًا وحسدًا للملك العادل ، والله عز وجل العاصم من الزلل.
جاء حلف الشيطان وحاصروا مدينة خلاط "وهي بلدة عظيمة الخيرات تقع على حدود أرمينيا والشام" وكان عليها "الأوحد بن العادل" ، وجاء الكرج بملكهم العدو الكافر المجرم "إيواني" وحاصروا خلاط وشددوا عليها الحصار وأيقنوا أنهم فاتحوها لا محالة ، ولكن الله عز وجل لكيدهم بالمرصاد ، فحدث في يوم الاثنين الموافق 19 ربيع الآخر 607هـ أن خرج ملك الكرج الكافر "إيواني" وهو مخمور على جواده يدور حول حصن المدينة فسقط به جواده في بعض الحفر التي قد أعدت مكيدة حول البلد فخرج إليه المسلمون وأخذوه أسيرًا حقيرًا ذليلاً وأصيب الكرج في مقتل ، حتى إذا وقف الأسير بين يدي الأمير أطلقه نظير فدية قدرها مائتا ألف دينار وألفا أسير من المسلمين ، وتسليم إحدى وعشرين قلعة متاخمة لبلاد خلاط ، وأن يتزوج أخوه الأشرف موسى من ابنته ، وأن يكون له عونا على من يحاربه ، فوافق "إيواني" على تلك الشروط كلها ، فأرسل الأوحد لأبيه الملك العادل يخبره بالأمر والشروط ، فكاد الملك العادل أن يطير من الفرح وحمد الله عز وجل وشكره وفرق الصدقات والأموال على الفقراء، فلما وصلت الأخبار لباقي ملوك الجزيرة خضعوا وذلوا عند ذلك وأذهب الله كيدهم في نحورهم وأرسلوا يعتذرون إليه عما كان منهم.
من غريب ما حدث في هذه الواقعة أن قسيس الملك الكافر كان ينظر في النجوم فقال للملك قبل ذلك بيوم : " واعلم أنك تدخل غدًا إلى قلعة خلاط ولكن بزي غير ذلك وقت آذان العصر " ، فوافق ذلك دخوله إليها أسيرًا وقت آذان العصر.
*** 21 ربيع الآخر 1409هـ : استئناف الدراسة بجامع القرويين :
تم استئناف الدراسة بجامع القرويين بمدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب الأقصى، وذلك بعد أن كانت الدراسة بالجامع قد توقفت لمدة تزيد على ثلاثة عقود من الزمن.
و قد كان عدد الطلبة الذين سُجّلوا في هذا الفوج 150 طالباً اختيروا من بين الناجحين في مباراة الالتحاق بجامع القرويين.
بدأت الدراسة ببرنامج كثير المواد والدروس، طويل المدة، التي تبلغ 12 سنة، تتوزع على ثلاثة أطوار: الطور الابتدائي: 3 سنوات، و الطور الثانوي: 6 سنوات، والطور النهائي: 3 سنوات.
و قد قطع هذا الفوج الأول هذه المدة، فسقط منه أكثر من نصفه، و تخرج من الباقي 28 عالما، برسم السنة الدراسية 1420-1421هـ/1999-2000م . كان ذلك أول فوج من العلماء يتخرج من جامع القرويين، بعد توقف دام ردحا من الزمن.
وبذلك فتح باب الأمل لربط الصلة بين حاضر الأمة و ماضيها في هذه البقعة من الأرض، وفي جامع كان بيتا للعبادة والذكر، ومقرا للنور والهدى، ومعهدا للعلم والحكمة ، طاول القرون والأجيال، وعاصر الخطوب والأهوال، وأنشأ العقول والرجال، وكانت عليه الموردة من المشرق والمغرب.
كان جامع القرويين مركزا صنع فيه رجال قاوموا الاستعمار الفرنسي للمغرب، و إن المغاربة ليذكرون ما قاله الجنرال الفرنسي " ليوطي" في جامع القرويين، بعدما لقي من شدة بأس أهله ورواده ، حيث قال: " لا استقرار لنا في المغرب إلا بالقضاء على هذا البيت المظلم " ، و هو يعني جامع القرويين، لكن سعيه خاب و لم يقدر على شيء من ذلك. و لنقف في هذه الكلمات وقفات مع هذا الجامع المنارة من أجل التعريف به و بتاريخه ودوره في حفظ التراث الإسلامي، والمقومات الثقافية للأمة .
أسس الإمام إدريس بن إدريس (177-213هـ) مدينة فاس لتكون مقرا للدولة الإدريسية، ودار علم وفقه و دين في المغرب الأقصى، و كان ابتداء ذلك في غرة ربيع الأول سنة 192هـ ، فأسس العدوة التي نزل بها أهل الأندلس و أضيف اسمها إليهم، و في غرة ربيع الآخر سنة 193هـ شرع في بناء العدوة الأخرى التي نزل بها أهل القيروان و أضيف اسمها إليهم. و في عهد الإمام يحيى بن محمد بن إدريس، خامس الأدارسة المتولي سنة 234هـ ، ضاقت مدينة فاس بسكانها لتوالي وفود العرب عليها فبنيت الأرباض بخارجها، و كثرت العمارة بها، و بنى الأمير الحمامات و الفنادق. و كان من أهل القيروان النازلين بفاس: أم البنين فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري، و قد رأت أن تتقرب إلى الله بالتوسعة على الناس في إقامة دينهم، و بناء بيت يذكر فيه اسم الله، فاشترت أرضا في عدوة الواردين القرويين لتجعل منها مسجدا، و شرعت في حفر أساسه و بنائه فهلَّ رمضان سنة 245هـ ، وتم بنائه في أربع بلاطات و صحن صغير، و كان محرابه في موضع الثريا الكبرى، وصومعته غير مرتفعة تقع في مكان قبة العنزة، و طوله من الحائط الغربي إلى الحائط الشرقي 150هـ شبرا.
وفي تلك السنة بنت أختها مريم مسجدا بعدوة أهل الأندلس، فكان تأسيس المسجدين معا من عمل النساء، و صار كل مسجد يعرف بالإضافة إلى العدوة التي هو فيها من ضفتي نهر فاس، فيقال: "مسجد عدوة القرويين"، و "مسجد عدوة أهل الأندلس"، ثم صار هذا يعرف بمسجد الأندلس، وذاك يضاف إلى القرويين الواردين من مدينة القيروان التي اختطها بإفريقية عقبة بن نافع الفهري سنة 50هـ .