تتردَّد بين الحين والآخر في الصحافة أخبار عن حدوث حالات انتحار تقع من ممثِّـلين ومن غيرهم ، وقد أحببت بهذه المناسبة أن أنـبِّـه إلى حقيقتين شرعيَّتين : الأولى : أن قصد الانتحار - أي أن نحكم على إنسان أنه أقدم على الموت بفعل نفسه قاصداً بذلك إنهاء حياته ضيقاً من هموم الدنيا وقنوطاً من رحمة الله - مما يَـصْعُبُ إثباته بإقامة البرهان القاطع على حصوله . والأخرى : أن الأصل في المسلم أنه لا يمكن أن يقدم على هذا العمل ما دام مكتمل الوعي تامَّ الإدراك . أما صعوبة إثبات هذه الواقعة ، فإن القاعدة في الشريعة الإسلامية أن الشيء كلما عَظُمَ قدْرُهُ واشتدَّ خَطَرُهُ بالَغَ الشرع في إبعاده ، وتردَّد في قبول دلائله وبـيِّـناته ، احتياطاً لحرمة الأديان والنفوس والأعراض . ولعل أجلى مثالٍ لذلك احتياط الشرع في إثبات واقعة الزنا لعظيم قدرها وشدَّة خطورتها ، فهي فضيحة على الرجل وفضيحة على المرأة وفضيحة على أولادهما وأهليهما . ثم إن الإسلام قد منع التقوُّل على الآخرين بغير برهان ولا حجَّة ، بل شرع حد القذف في حق من ألصق تهمة الزنا بمسلم ما لم يثبت كلامه بـبـَيِّـنةٍ معتبرة ، فقد قال سبحانه : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } . فالتقوُّل على الآخرين شأنه خطير وضرره دائم كما قال النعمان بن المنذر : قد قيل ما قيل إن صدقاوإن كذِباً فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا وإنما كان التغليظ في حق القاذف لأنه قولٌ بالظنِّ غير الجازم ، و قديماً قال أكثم بن صيفي كلمةً صارت مثلاً لمن ظهر للناس منه أمرٌ أنكروه عليه وهم لا يَعرفون عُذره فقال : رُبَّ مَلومٍ لا ذنب له . فمن الذي يملك أن يثبت أن هذا المتهَم بالانتحار قصد هذا الفعل الذي أدى إلى وفاته ونحن نعلم أن الـقُصُـودَ والنيات أمرٌ خفِيٌّ لا يُـطَّـلَعُ عليه ولا يعلمه إلا الله سبحانه . وإذا كان قصد هذا الفعل يقيناً فهل هذا الفعل يفضي إلى الهلاك يقيناً ؟ وإذا كان يفضي إلى الهلاك يقيناً فهل يعلم المتوفى ذلك ، بحيث أقدم على هذا الفعل ليقتل نفسه أم أنه قصد مجرَّد إلحاق الأذى بنفسه ؟ وإلحاق الأذى بالنفس عملٌ محرم شرعاً غير أنه لا يدل على قنوط صاحبه من رحمة الله وكفره . ثم من يملك أن يثبت أن هذا المتهَم كان في حالة نفسية صحيحة حين فعل ما فعل وأنه كان تام الوعي والإدراك ؟ فهذه كلها شُـبـَــهٌ واحتمالات يندرئ بواحدٍ منها منفرداً ثبوت الحكم عليه بأنه منتحرٌ ، ويحرم علينا أن نطلق عليه تهمة الانتحار ( والتي تعني إقدامه على قتل نفسه ضيقاً من هموم الدنيا وقنوطاً من رحمة الله ) جزافاً ، ونحن نعلم يقيناً - لا ظناً - أن رحمة الله واسعة وأن عفوَه يشمل ما دقّ من الذنوب وما عظم ، فلا يجوز أن نتألَّـى على الله ونضـيِّـق رحمته ، فهذا التألِّي هو الذنب الذي لا ذنب مثله ، فرَبُّ العالمين أرأفُ بعبادِه من الأمِّ بوليدها . وأما أن المسلم لا يفعل مثل هذا العمل فلأن الانتحار إنما هو مظهر تتجلَّى فيه حقيقة نفسية وهي إساءة الظن بالله تعالى باعتقاد أن في رحمته سبحانه قصوراً عن أن تَـسَعَ ذنوب العباد . وهذا العمل لا يقوم به المسلم لأسباب ثلاثة : الأول : أن الله تعالى حين أخرج الإنسان إلى هذا العالم وبث روحه في جسده اقتضت حكمته البالغة أن يجعل هذه الروح تتعشَّـق هذا الجسد فتتعلَّق به تعلُّـقاً يصعب بسببه أن يُـتصوَّر أن يعمد أحدٌ إلى إخراج روحِهِ مِن جسدِه ، فقد ذكر العلماء أنه ما تعلق شيء بشيء تعلق الروح بالجسد . هذا الجسد الذي جعله الله محلاً تسكن فيه الروح فهبطت فيه - ربما عن كُرهٍ منها لـه - غير أنها سرعان ما تعشقته وتعلقت به فعزَّت عليها مفارقته كما قال أبو علي بن سينا : وَصَلت - على كَـرهٍ إليك - ورُبَّـما كرهت فراقك وهي ذات توجع من أجل هذا المعنى نجد الروح تُنازِع وهي تخرج ويعاني الإنسان من خروجها شدَّة لِـقوَّة تعلقها بالجسد قال سبحانه : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) فسماها سكرة لشدة وقعها . الثاني : أن هذا العمل محرم بالإجماع فالحفاظ على الحياة شئ معظم في الإسلام فقد قال الله سبحانه : (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقد نقل الإمام شهاب الدين القرافي - ت 684هـ - الإجماع على المنع من أن يقتل الإنسان نفسه تسهيلاً عليه وإراحة له من ألم الوجع حين يصل به المرض إلى حدّ لا يرجى شفاؤه قال : وإن اشتدَّ ألَـمُـه . وشرع من أجل الحياة حدَّ القصاص لينكفَّ الناس عن هذه الفعلة ، وسمى الله القصاص حياة لأنه سبيل حفظها فقال سبحانه : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) . بل أباح الشرع النطق بكلمة الكفر في سبيل حفظ النفس فقال سبحانه ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) . الثالث : أن المسلم لا يقف من الحياة على مصير مجهول ولا يرى فيها نهاية المطاف بل يدرك أنها ممر ودهليز إلى حياة أبدية فهي عنده مرحلة زمنية يستثمرها لما وراءها وفرصة للتعبير عن ولائه لخالقه وبارئه . فإذا نزل البلاء بالمؤمن وأطبق عليه الكرب وأظلمت الدنيا أمامه فإنه لا يرى في ذلك كله ما يوجب شقاءً ولا بؤساً بل يرى في هذه المآسي مظهرا لقوة الله وقهره كما قال ابن عطاء الله السكندري ( المتوفى 709هـ ) ( إذا أعطاك أشهدك بِرَّهُ وإن مَـنعَك أشهدك قهْرَهُ ) . من أجل هذا المعنى فإن الصحابي الجليل عمران بن الحصين رضي الله عنه حين نزل به مرض أقعده ثلاثين سنة على الفراش وجاءه أخوه العلاء يعوده ويبكي على حاله فقال لـه عمران : ( لا تبك يا أخي فإن أحبَّه إلى الله أحبُّه إلي ) . فالشأن في المؤمن أن يعلم حقيقة الحياة وألا يركن إليها وألا يظل يلهث وراء السعادة فيها كما يلهث الظمآن خلف السراب يظنه ماءً ولن يجده كما يظن . إن جهل الإنسان بحقيقته وحقيقة الحياة التي يحياها هو الخميرة الأولية لتقليعة الانتحار ، ذلك أن الذي لم يعرف حقيقة الحياة فإنه سيقف منها على عالم مجهول وسينظر من خلالها إلى مصير مظلم ، أشبه برجل جـيء به من بلاد نائية لم يسمع عن شئ اسمه سيارة ولا قاطرةٍ ولا طيَّارة ثم عُصِبت عيناه ووُضِـعَ داخل قطار يسير فيه بسرعة واضطراب . ولك أخي القارئ أن تتصور الحيرة التي تعتريه والقلق الذي يستبد به ، إنه قد يغفل قليلا ويسلو عن القلق حين تشغله عن حيرته بحديثك ولكنه كلما ابتعدت عنه وزال عنه ما يشغله أو جن عليه الليل عاد يفكر في مصيره والغاية من وجوده واستبد به الكرب أيما استبداد وربما أنشد : جئت لا اعلم من أين ولكني أتيت ولقدأبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري !!! ولنا أن نأخذ العبرة من فتاةٍ تدعى إميلي براملت كانت تعيش حياة تعيسة معذبة تتقاذفها رياح القلق والاضطرابات النفسية وكم فكرت في الانتحار لشدَّة وقْع المصائب عليها ، فلمَّا منَّ اللهُ عليها بالإسلام انقلب الضياع والاضطراب في حياتها إلى طمأنينة وسكينة وتحول الشقاء والبؤس إلى سعادة وأنس فكتبت قصتها في كتاب عنوانه ( آمَـنْـتُ بربِّـكم فاسمعون ) . فهل من سامع ؟